لماذا لا يأتي الاستثمار رغم الجاهزية؟

 

 

 

علي بن محمد جمعة اللواتي

قد تنجح الدولة في بناء الطرق والموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية، ثم تُراجِع قوانين الاستثمار، وتختصر الإجراءات، وتُخفِّض تكلفة إدارة الأعمال، ومع ذلك لا يأتي النشاط الاقتصادي بالمستوى المستهدف!

عندها لا تكون المشكلة بالضرورة في نقص البنية المادية أو التشريعية، بل في تصور غير مكتمل لكيفية نشوء النشاط الاقتصادي. فقد نفترض أن توفير المكان وفتح الباب سيجعلان الاستثمار يدخل تلقائيًا، بينما يبقى السؤال الأهم بلا جواب واضح: ما الذي يمنحه سببًا للدخول أصلًا؟

في المقال السابق «كم مرة يعمل الريال؟»، كان السؤال عن مقدار القيمة التي يخلقها المال بعد دخوله الاقتصاد. أما السؤال هنا فهو: ما الذي يجعل الاستثمار يأتي، ثم يستقر وينمو، وما الذي يتركه نجاحه داخل الاقتصاد؟

بعض الدول يُدرك أن الطرق والموانئ والأراضي المجهزة لا تكفي وحدها لجذب الاستثمار، فتُراجِع قوانينها وإجراءاتها: تختصر مدة التراخيص، وتفتح بعض القطاعات، وتمنح التملك الأجنبي، وتنشئ منصات إلكترونية ونوافذ موحدة لخدمة المستثمرين.

ومن الضروري أيضًا خفض تكلفة إدارة الشركات والأعمال؛ فالمستثمر لا ينظر إلى تكلفة إنشاء المصنع أو شراء الأرض فقط، بل إلى تكلفة تشغيل الشركة يوميًا: الامتثال والتراخيص المتكررة والتوظيف والتعاقد والحصول على الخدمات وتسوية المنازعات. وكلما ارتفعت هذه التكاليف، تآكلت هوامش الربح، وأصبح المشروع أقل قدرة على المنافسة.

كما يحتاج المستثمر إلى بيئة أعمال مستقرة في قواعدها ومرنة في استجابتها لتغيرات السوق والتقنية ونماذج الأعمال؛ فالمطلوب ليس قوانين مُتقلِّبة، بل مؤسسات قادرة على التكيف وحل المشكلات من دون أن تخلق حالة جديدة من عدم اليقين.

هذه الإصلاحات ضرورية؛ لأنها تُقلِّل مخاطر البداية وتشجع المستثمر على الدخول. لكنها تجيب عن سؤال واحد فقط: كيف يدخل المستثمر؟ ولا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: لماذا يدخل أصلًا؟

سهولة الاستثمار لا تخلق الفرصة الاستثمارية من العدم. وفي الأسواق الصغيرة خصوصًا، أصبحت البنية الأساسية والتشريعات الواضحة والإجراءات السريعة والتكلفة المعقولة لإدارة الشركات من متطلبات دخول المنافسة، لا ميزة تكفي وحدها للفوز بالاستثمار؛ فدول كثيرة أصبحت تقدم موانئ حديثة، وطاقة، وأراضي مجهزة، وتملًّكًا أجنبيًا، وخدمات إلكترونية.

لذلك ينتقل المستثمر إلى سؤال أكثر واقعية: أين أستطيع أن أبيع وأنمو وأحقق عائدًا أفضل مقارنة بالمخاطر والبدائل؟

وقد يختار دولة أكثر تعقيدًا في إجراءاتها لأن سوقها أكبر، أو لأنها أقرب إلى عملائه، أو تتوافر فيها شبكة موردين ومهارات متخصصة، أو لأن احتمالات نجاح مشروعه فيها أعلى. فهو لا يقارن الدولة بفراغ، بل يقارنها بدولة أخرى، أو قطاع آخر، أو توسيع مشروع قائم، أو حتى تأجيل القرار والاحتفاظ برأس المال.

سهولة الاستثمار تزيل بعض أسباب الرفض، لكنها لا تصنع وحدها أسباب الاختيار. وهنا تظهر أهمية قوة الجذب الاقتصادية؛ فقد تمتلك الدولة الأرض والميناء والحوافز، لكن ما الذي يجعل مصنعًا بعينه يختارها؟ قد يكون السبب طلبًا كافيًا، أو وصولًا فعالًا إلى سوق أوسع، أو انخفاضًا حقيقيًا في تكلفة الإنتاج، أو موردًا طبيعيًا، أو مهارات متخصصة، أو وجود شركة كبيرة تحتاج إلى موردين حولها.

ولا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع الأنشطة؛ فالفندق يحتاج إلى وجهة وزوار وإنفاق متوقع، والمصنع يحتاج إلى سوق أو ميزة في التكلفة وسلسلة توريد، والمركز اللوجستي يحتاج إلى حركة تجارة وموقع يختصر الوقت والكلفة. وكلما كانت الدولة أكثر تحديدًا في معرفة النشاط الذي تريد جذبه، استطاعت أن تقدم له عرضًا استثماريًا أكثر إقناعًا.

أما الحوافز العامة، فقد تجعل الاستثمار أرخص، لكنها لا تجعله بالضرورة أكثر منطقية. فالأرض الرخيصة لا تعوض ضعف السوق، وانخفاض تكلفة إدارة الشركة لا يخلق الموردين والعملاء، وسرعة الترخيص لا تبني سلسلة توريد من تلقاء نفسها.

لذلك لا ينبغي أن تنحصر السياسة الاستثمارية في إزالة العوائق، بل يجب أن تمتد إلى بناء فرص قابلة للنمو: تحديد القطاعات التي تمتلك فيها الدولة ميزة حقيقية، وربطها بالطلب والأسواق، وتوفير المهارات والتمويل والموردين والخدمات التي يحتاجها المستثمر للنجاح والتوسع.

وفي الدول ذات الأسواق المحلية الصغيرة، قد لا يكون الحل في محاولة تعويض محدودية الطلب الداخلي فقط، بل في تغيير وظيفة السوق نفسها: من سوق نهائية محدودة إلى مركز إقليمي «Hub» تخدم الشركات من خلاله أسواقًا أوسع.

وهذا ما فعلته بعض الدول حين تموْضَعت بوصفها مراكز إقليمية للخدمات اللوجستية أو الطيران أو التمويل أو الأعمال؛ فالشركات لم تدخل إليها لتبيع لسكانها وحدهم، بل لتدير منها عملياتها الإقليمية وتصل عبرها إلى العملاء والأسواق المحيطة.

لكن التحول إلى «Hub» لا يتحقق بإطلاق الوصف أو بناء ميناء ومطار فقط. فهو يحتاج إلى كثافة في خطوط الاتصال والخدمات المتخصصة والتمويل والكفاءات والموردين ومقار الشركات، إضافة إلى قدرة فعلية على الوصول إلى الأسواق.

ويمكن للـ«Hub» أن يؤدي وظيفة المرساة على مستوى السوق؛ إذ يجذب حركة وشركات وخدمات تتولد بينها منافع متبادلة؛ فوجود الشركات يجذب الموردين والكفاءات، ووجود هذه العناصر يجذب شركات أخرى، حتى تصبح قيمة السوق في موقعها داخل الشبكة الاقتصادية، لا في عدد سكانها فقط.

وتفتح هذه الفكرة محاور أخرى تتعلق بفجوة التنسيق، والمشروعات المرساة، وكيفية تحويل الاستثمارات المتفرقة إلى تجمع اقتصادي ينمو من داخله؛ وهي محاور سنتناولها في مقال مستقل.

ولا يشتري المستثمر الوضع الحالي فقط، بل يشتري توقعًا عن المستقبل. فهو يريد أن يعرف هل ستستمر القواعد، وهل ستكتمل المشروعات المساندة، وهل ستنمو السوق، وهل ستفي الجهات المختلفة بالتزاماتها بعد أن يستثمر أمواله ويصبح خروجه أكثر كلفة.

وقد تخسر الدولة استثمارًا جيدًا، ليس لأن فرصتها الحالية ضعيفة، بل لأن المستثمر لا يثق بما يكفي في استمرارها أو اكتمالها. وربما تكون الحوافز سخية، لكن عدم القدرة على التنبؤ يجعل الفرصة أقل جاذبية من بدائل أقل سخاءً وأكثر استقرارًا.

غير أن الثقة لا تُبنى بالنصوص الرسمية والحملات الترويجية وحدها. فمن أهم مؤشرات نجاح دولة أو سوق في بناء بيئة تمكّن الأعمال من النمو والربح، أن يتشكل لدى شرائح واسعة ومتنوعة من المستثمرين المحليين والأجانب انطباع قوي بأن هذه البيئة وصلت فعلًا إلى مرحلة النضج والجاذبية.

ولا يُقصد بذلك صورة إعلامية، بل قناعة تصنعها التجارب: هل نجحت المشروعات؟ هل توسعت؟ هل أعاد أصحابها استثمار أرباحهم؟ وهل أصبحوا مستعدين لتوصية مستثمرين آخرين بدخول السوق؟

فصاحب الخدمة المتميزة أو المنتج عالي الجودة لا يظل وحده حامل رسالته. عندما تنجح التجربة، يبدأ العملاء أنفسهم في نقلها، وتتسع دائرة الثقة. والأمر نفسه ينطبق على الدول؛ فعندما تتكرر قصص النجاح، لا تعود الجهات الرسمية وحدها هي التي تروّج للفرصة، بل يصبح المستثمرون القائمون شركاء في نقل صورتها.

وقد تكون إعادة استثمار المستثمر القائم وتوسعه وجذبه موردين وشركاء جدد مؤشرات أقوى من عدد التراخيص الجديدة؛ فالمستثمر الذي يضاعف نشاطه يرسل رسالة عملية بأنه لم يجد سهولة في الدخول فقط، بل وجد طلبًا وثقة وجدوى تكفي للاستمرار.

ويكتسب انطباع المستثمر المحلي أهمية خاصة؛ لأنه الأقدر على معرفة تفاصيل السوق وتكاليفها ومخاطرها. فإذا ظل رأس المال المحلي مترددًا أو باحثًا عن فرص في الخارج، فسيصعب إقناع المستثمر الأجنبي بأن السوق تقدم فرصة لا يراها أهلها.

أما عندما يستثمر المحلي ويتوسع، ويجد الأجنبي تجارب ناجحة يستطيع التحقق منها، تبدأ دائرة إيجابية: يجذب نجاح المستثمر مستثمرين آخرين، ويشجع الموردين على الدخول، ويدفع المؤسسات المالية إلى تطوير منتجاتها، ويجذب الكفاءات والخدمات المتخصصة.

عندها تتحول الجاذبية الاستثمارية من مشروع ترويجي تقوده الدولة إلى حركة اقتصادية يعززها السوق بنفسه. فالمرحلة الأكثر نضجًا لا تصل إليها الدولة عندما تنجح في الترويج لنفسها، بل عندما تصبح التجربة الناجحة فيها هي التي تتولى الترويج لها.

لا يكفي أن نبني بيئة تمكّن المستثمر من النجاح والربح؛ بل يجب في الوقت نفسه تحديد ما الذي سيضيفه هذا النجاح إلى الاقتصاد المحلي. فالاستثمار ليس هدفًا في ذاته، وعدد الشركات المسجلة أو قيمة التدفقات الاستثمارية لا يكشفان وحدهما عن الأثر الذي يبقى بعد دخول رأس المال.

ليست كل الاستثمارات متساوية في أثرها، حتى لو تساوت في قيمتها المالية. تخيّل مصنعين بالحجم الاستثماري نفسه تمامًا: الأول يستورد معظم مدخلاته جاهزة، ويوفر وظائف تشغيلية محدودة المهارة، من دون استثمار كبير في التدريب أو التوسع المحلي. أما الثاني فيتعاقد مع موردين محليين لتوريد جزء من مدخلاته، ويدرّب العاملين على مهارات تقنية يمكن أن تنتقل معهم إلى مشروعات أخرى، ويعيد استثمار جزء من أرباحه في توسعة خطوطه.

المبلغ الذي دخل الاقتصاد في الحالتين واحد. لكن ما يتركه كل مصنع خلفه بعد خمس سنوات مختلف تمامًا: الأول قد يظل أقرب إلى جزيرة معزولة عن الاقتصاد المحلي، بينما يترك الثاني حوله موردين نمت قدراتهم، وعمالة اكتسبت مهارات مطلوبة في السوق، وسابقة تشجع مشروعات مشابهة على الدخول.

هذا الفارق يكشف حجم القيمة المحلية المضافة وعمق الروابط التي يبنيها الاستثمار داخل الاقتصاد: المشتريات من الموردين المحليين، ونوعية الوظائف والمهارات، والأرباح المعاد استثمارها، والمشروعات التي تنشأ حول الاستثمار الأصلي كموردين أو شركاء. وليست هذه بنودًا منفصلة بقدر ما هي أوجه لسؤال واحد: هل بنى هذا الاستثمار قدرات محلية تستمر وتتوسع وتتجاوز حدود المشروع الأصلي؟

وفي المقابل، يجب أن تكون هذه المستهدفات واقعية ومناسبة لطبيعة كل قطاع ومرحلة تطوره؛ ففرض متطلبات مرتفعة قبل وجود موردين محليين قادرين على المنافسة قد يرفع التكلفة ويضعف جاذبية الاستثمار. المطلوب هو مسار تدريجي يربط نمو المشروع بنمو القدرات المحلية حوله.

وهكذا يجب أن نقيس نتيجتين متلازمتين: هل استطاع المستثمر أن ينجح وينمو؟ وما القيمة المستدامة التي تركها نجاحه داخل الاقتصاد؟

لا يعني بناء بيئة تمكّن المستثمر من النجاح أن تضمن الدولة الربح لكل مشروع؛ فهذا ليس ممكنًا ولا مطلوبًا. لكن عليها أن تبني الشروط التي تجعل النجاح ممكنًا: طلب يمكن الوصول إليه، وتكلفة كلية منافسة، ومؤسسات يمكن الوثوق بها، ورؤية واضحة للقطاعات التي تريد الدولة أن تتفوق فيها.

البنية الأساسية تهيئ المكان، والتشريعات تفتح الباب، والإجراءات السريعة تخفض عوائق الدخول؛ لكن ما يجذب المستثمر حقًا هو اقتناعه بأن وراء هذا الباب سوقًا وفرصةً ومسارًا واقعيًا للنمو والربح. ولهذا لا يكون السؤال النهائي: هل لدينا طرق وموانئ ومناطق اقتصادية وقوانين جاذبة؟

بل: لماذا ستكون فرصته في النجاح هنا أفضل من فرصته في مكان آخر؟

ثم يأتي السؤال المكمل: إذا نجح، فهل سيترك وراءه قيمة محلية متراكمة واقتصادًا أكثر ديناميكية واستدامة؟ فالتحدي الحقيقي ذو وجهين: أن نجعل النجاح ممكنًا لمن يختار الاستثمار لدينا، وأن نجعل نجاحه قادرًا على بناء اقتصاد ينمو من داخله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z