السر وراء نجاح "خريف ظفار 2026"

 

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

سألني عددٌ من الكُتَّاب والصحفيين العرب والخليجيين الذين زاروا ظفار خلال خريف 2026، عن السر وراء التطور النوعي والكمي الذي لمسوه هذا الموسم؛ فهناك تحسينات كثيرة أدخلت، ومشاريع عديدة استُجِدَت على البنية الأساسية، ومرافق سياحية جاذبة جديدة دُشِّنَت، وصداها كبير على الزائرين والسياح المواطنين والمقيمين، ولن ننسى كذلك تطور التنظيم وتكامل جهود الجهات المختلفة بفضل الخبرات المتراكمة من المواسم السابقة.

هنا ينبغي علينا أن نبحث عن طبيعة هذا السر؛ لأنَّ حقبتنا الوطنية لا تجعلنا نكتفي بتوثيق النتائج فحسب، وإنما نوثِّق كذلك الآلية/ الآليات التي أنتجتها، خاصة إذا ما كانت ضمن الخيارات الاستراتيجية للمسيرة المتجددة، وبحثنا للإجابة على التساؤل يدور حول مسألتين أساسيتين هما؛ أولًا: نظام اللامركزية، ووجود فاعلين يحملون هم تحقيق النتائج الملموسة؛ وهنا علاقة وجودية بين الجانبين، فالأشكال والأفكار مهما كانت جميلة، والسياسات مهما كانت محكمة، والخطط مهما بلغت دقتها، لا تنتج أثرها بذاتها؛ فهي تحتاج لفاعلين يؤمنون بها، ويمتلكون القدرة على تنفيذها، ويتحملون مسئولية نتائجها أو إخفاقاتها، وكما يُقال "لا يكفي أن نمتلك الأفكار، الأهم أن نمتلك الفاعلين القادرين على تحويلها إلى نتائجها".

وهنا نجدنا أنفسنا امام نظام اللامركزية وتفعيله بصورة غير اعتيادية لكي يؤتي ثماره في كل محافظة من محافظات البلاد- ظفار نموذجنا هنا- ومنها نرى أن اللامركزية كانت السر وراء نجاح خريف 2026؛ لأنها قرَّبت القرار من المكان، ومنحت المستوى المحلي مساحة أكبر في فهم الاحتياجات وترتيب الأولويات وسرعة التنفيذ، ومكَّنت القرار المحلي من تحمل المسؤولية، والدفاع عنها. هذا التصوُّر يجعلنا نعيد فهمنا للنجاح نفسه، من نجاح موسم 2026 الى نجاح تجربة مؤسسية تعمل في اطار الرهانات على نظام اللامركزية المتمثلة هنا في نظام المحافظات والمجالس البلدية.

ومن هنا، تأتي ثانيًا: الاستثمارات في البنية الأساسية والفوقية وحسن التنظيم، وغيرها، كنتائج تُحسب للممارسة المؤسسية وقيادتها التي تمكَّنت من الحصول على الأموال وضخها في البنية الأساسية والمشاريع والمرافق، وكذلك قدرتها على صناعة المناخات والبيئات لأطلاق المبادرات الخاصة للمساهمة في إحداث التحول عبر الاستثمار في مرافق ومشاريع سياحية تضفي لمسات جمالية وترفيهية على السياحة بصورة مستدامة، أي ليست خريفية فحسب.

ففي نطاق تفعيل نظام اللامركزية أصبح لمحافظ ظفار ورئيس بلدية ظفار مساحة أوسع لاتخاذ قرارات التطوير والإصلاح ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بعيدًا عن كثير من التعقيدات التي كانت تفرضها المركزية الإدارية، ولن نُبالغ اذا ما قلنا إن الإدارة المحلية لمحافظة ظفار أصبحت الان اقرب من حجم احتياجات الولايات العشرة بالمحافظة، وتملك القدرة على التطوير والإصلاح والاستجابة لاحتياجات كل مكان محلي المكان؛ حيث إن ظفار تُعد أكبر محافظة من حيث المساحة في البلاد، وتعمل الإدارة المحلية- أي النظام اللامركزي- تحت ضغوط متعددة؛ لأنها مُطالبة بالنتائج، وليست أية نتائج، تلكم التي من وزن محافظة ظفار التي ينبغي أن تعكس الصورة الحضارية للوطن، وهي تستقبل السياح من كل انحاء العالم على مدار العام، وفي فضل الخريف خاصة؛ إذ إن تدفُق أكثر من مليون سائح خلال 40 يومًا في الخريف، هو في ذاته أكبر الضغوط.

ولنتصوَّر خريف ظفار 2026 دون البنية الأساسية الجديدة، وكذلك دون مشاريع المرافق السياحية الأخيرة، التي هي محط إشادة من الكل، لكانت ظفار قد غرقت بالكم العددي المتزايد من السياح، وبالاختناقات من كل الاتجاهات، وستعطي انطباعات لا تعكس واقعنا العُماني المعاصر، ولا تخدم آفاقنا الاقتصادية والاستثمارية الطموحة والواعدة. وهذا يعني أنه يقع على عاتق اللامركزية أن تُحضِّر ظفار لهذه التدفقات السياحية في أفضل صورة ممكنة وبصورة متجددة؛ أي سنوية.

وما لمسه الكل من تدخلات طالت الطرق والمواقع السياحية ومعالجة الاختناقات المرورية، وتطوير المرافق والخدمات، ورفع جاهزية المواقع لاستقبال الزوار والاستجابة للملاحظات اثناء الموسم، جميعها أمثلة على النجاح المُقترن بتفعيل اللامركزية وبحُسن اختيار الإدارة المحلية. وهنا نُشيد بهذا النجاح الكبير لموسم خريف 2026، وهو يستحق التقدير، ويحق لنا القول من خلاله إنَّ ظفار قادرة على صناعة تجربة سياحية استثنائية، وهي الآن في الطريق الصحيح، وكلنا في حالة ترقب الجديد في خريف 2027.

وبحكم قربنا من بعض مستويات تفكير اللامركزية الاستراتيجي، يمكن القول إنهم قد انتقلوا من فكر إدارة موسم ناجح سنويًا الى بناء نموذج يتعلَّم من كل موسم ويُخطِّط للذي يليه، وإحساسنا بهم الان مرتفع، ويجعلنا نتصوَّر انشغالاتهم من الان على خريف 2027. لذلك؛ فإن نجاح خريف 2026 لا يعيشونه كحالة نجاح في ذاتها، ما دام أنهم مطالبون بنجاحات سنوية لتعزيز التراكمية، وهم هكذا في حالة تحفُّز وانشغال دائم حتى تكون ظفار أكثر جاهزية وقدرة على مواجهة التحديات. وهنا تكون الوظيفة في إطار المحتوى اللامركزي تكليف وليس تشريف، لأن كل مسؤول يكون مطالب بنتائج كمية ونوعية كل عام، لذلك لا يستطيعون أن يعيشوا في حالة من السكون أو الاستمتاع بالنتائج التي يحققونها كل سنة.

ولذا.. من المؤكد أنهم الان منشغلون بالتخطيط المتابعة ومعالجة أي قصور، ونضع مجددًا فوق طاولتهم الاستراتيجية قضية تحويل موسم الخريف الى اقتصاد مستدام لظفار، وجعل المواسم السياحية الثلاثة السنوية (الخريف- الربيع- الشتاء) تُشكِّل مفتاحًا لهذا الاقتصاد، كما تناولناها في مقال سابق بعنوان "اقتصاد المواسم الثلاثة"، ولا يمكن للامركزية أن تحقق كل خططها الطموح ما لم تعتمد على اقتصاد محلي يوفر لها إيرادات مستدامة، وهناك مقترحات كثيرة، لكننا هنا نخص بالذكر ربط البنية اللوجستية في ظفار ببناء اقتصاد محلي متكامل، بحيث لا يكون مطار صلالة وميناء صلالة مجرد مرافق للنقل؛ بل أدوات لإعادة تشكيل النشاط الاقتصادي داخل المحافظة.

وهنا التساؤل: كيف نجعل موقع ظفار ومطارها وميناءها ومواردها الطبيعية والبشرية منظومة اقتصادية واحدة بدلًا من ان تكون مجرد نقاط عبور أو بمعزل عن بعضها البعض؟

ولدواعي تحقيق النتائج الكمية والنوعية، ينبغي كذلك الإسراع في استكمال مدينة النجد الزراعية كخطوة استراتيجية تعزز صناعة اقتصاد محلي مستدام لظفار، مع ربطها بالميناء والمطار والمناطق الحرة والصناعية والأسواق والمنظومة السياحية والغذائية، والمدينة الزراعية يلتقي فيها الامن الغذائي وتنويع الاقتصاد، والتصنيع، والتوظيف، والاستثمار، والتصدير، وعندها ستتوفر الإيرادات والوظائف، بالكم والنوع. وإذا لم تُستغل تلك المقومات الواعدة الآن، فمتى سيحدث؟!

 

الأكثر قراءة

z