حاتم الطائي
◄ حرب الإبادة مستمرة في غزة والاستيطان يستشري بالضفة
◄ الحرب على إيران حلقة في المخطط الصهيوني لتركيع المنطقة
◄ لا سلام دون قيام الدولة الفلسطينية ومعاقبة مجرمي الحرب
في خضم الأحداث الكبرى التي تُعيد تشكيل المنطقة وسط الصراعات الطاحنة والدسائس المُتباينة، تظل غزة الجُرح الغائر في وجدان الأمة العربية والعالم أجمع، فحرب الإبادة التي يقودها المجرم بنيامين نتنياهو لم تتوقف كما يظن البعض؛ إذ لم يفلح أي اتفاق أو مذكرة تفاهم أو حتى ضغوط أمريكية، في إسكات أصوات المدافع ولم تخمد نيران الحرب منذ اندلاعها في الثامن من أكتوبر لعام 2023.
وحتى مع اشتعال الحرب الصهيوأمريكية على إيران، وتأجج الصراع في مواقع أخرى مثل لبنان وسوريا واليمن، استمرت المأساة في غزة؛ فعمليات الاغتيال لا تتوقف، وأصحاب الأمعاء الخاوية ما يزالون يتضورون جوعًا، والغالبية العظمى من سكان القطاع يفترشون الأرض العراء مسكنًا لهم، لا مأوى يحميهم من حرارة الشمس ولا زمهرير الشتاء، يحرقهم لهيب الشمس، وتنهمر عليهم الأمطار وتجرف السيول ما تبقى لهم من أطلال الخيم. أما مرضاهم فتلك فاجعة أشد، فلا علاج يُصرف لهم، والحالات الحرجة منهم فقدت الأمل في إمكانية تلقي العلاج بالخارج. ورغم اتفاق وقف إطلاق النَّار، تتكرر الانتهاكات يوميًا مرات عديدة، مع استمرار الحصار ومنع دخول المساعدات الإغاثية والطبية والمواد الغذائية، على خلاف ما جرى الاتفاق عليه.
إننا عندما نتحدث عن غزة، نُشير إلى المأساة الإنسانية الأشد فظاعة في التاريخ الحديث، شعب بأكمله يتعرض للإبادة والبطش يوميًا، ويُحرم من أبسط مُقومات الحياة، وفوق كل ذلك لا يجد من يُسانده، إلا القليل جدًا من أصحاب الضمائر اليقظة والقلوب الرحيمة. ومن المفارقات التي يعجب لها المرء، أن نجد الشعوب الحُرة تهب لدعم المستضعفين في غزة، بينما تتوارى الحكومات ولا يُسمع لها صوت، في مشهد يُعرِّي الإنسانية جمعاء. في المقابل، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الآثم على الأبرياء والمدنيين في غزة، غير مكترثٍ بأي اتفاق، في ظل الدعم الأمريكي غير المحدود والتواطؤ الفاضح في هذه الحرب الهمجية، والصمت العربي والدولي على كل هذه الجرائم منذ قرابة 3 سنوات.
الواقع يُؤكد أنَّ حرب الإبادة لم تتوقف، وإنما استمرت بوتيرة مُغايرة، وتشعبت في عدة جبهات، وأبرزها الجبهة الإيرانية، فما الحرب الصهيوأمريكية على إيران سوى جزء من الصراع الكبير الذي يسعى الصهاينة لتحقيق أهدافه، وفق ما يزعمون أنه "الشرق الأوسط الجديد"، وهو الكلمة المُشفرة لمنطقة تخضع بالكامل لرغبات الصهاينة ومن يعاونهم، منطقة ترتضي الخنوع والركوع لمجموعات من العصابات المجرمة، يتحكمون في مُقدرات الشعوب وينهبون خيرات الأوطان، وفوق كل ذلك يمارسون أبشع عمليات القتل والإبادة لمن يقف في طريق مخططهم.
وهنا نؤكد ما نقوله دائمًا، إن الحرب على إيران ليست سوى فصل في هذه الحرب الملعونة، التي تستهدف الإجهاز على المنطقة العربية وسرقة مواردها، تارةً بتحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وتارة بإعلان مضيق هرمز "منطقة أمريكية"، إلى جانب ما تُمارسه إسرائيل من استباحة للدول العربية، وآخرها سوريا، والتي شهدت عدوانًا إسرائيليًا كاد أن يتحول إلى شرارة حرب كبرى تنزلق إليها تركيا في مُواجهة مع إسرائيل.
الحرب على إيران تستهدف مباشرة قطع شريان الدعم الوحيد للمقاومة على جبهات عدة، ضد العدو الإسرائيلي، بالتوازي مع الرغبة الأمريكية في السيطرة على موارد النفط الإيرانية، وإسقاط النظام الإيراني لكي تفسح المجال أمام إسرائيل لتسيُّد المنطقة، كما يزعمون!
وبينما نرى خريطة التوازنات العسكرية تتغير مع إعادة تشكل نظام أمني وسياسي إقليمي جديد، لا أحد يُلقي بالًا بالمأساة الفلسطينية، بما في ذلك غزة الجريحة والضفة الغربية الممزقة والقدس المُحتلة. غير أنَّ الوقائع على مدى التاريخ، تؤكد أن لا استقرار في الإقليم دون إنهاء حرب الإبادة في غزة، وأن لا سلام في منطقتنا ما لم يكن مقرونًا بسلام أشمل وأوسع ومُستدام يضم كامل التراب الفلسطيني والجولان المُحتل ومزارع شبعا.
ومهما زعم البعض بإمكانية إحلال السلام عبر اتفاقيات تطبيع أو إذعان، فلن يتحقق إلّا باستعادة الحقوق ومحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة. والأحداث من حولنا تُؤكد أنَّ التطبيع لم يُثمر أية نتائج لصالح الشعب الفلسطيني، بل على النقيض تمامًا، أمعن الاحتلال في الإبادة الجماعية، وواصل نهب الأراضي عبر الاستيطان السرطاني في أنحاء المدن والبلدات الفلسطينية.. فأي تطبيع يُريد هؤلاء خداعنا به؟!
لم يعد خافيًا على ذي لُبٍ أنَّ الصهيونية العالمية تتلقى الهزائم واحدة تلو الأخرى، لا سيما في ظل ما يُحققه التقدميون الديمقراطيون في الانتخابات التمهيدية بالولايات المتحدة من انتصارات على المُرشَّحين المدعومين من اللوبي اليهودي "ايباك"، ولذلك يُعجِّلون بمخططات تصفية القضية الفلسطينية، عبر الاستيطان وطرد الفلسطينيين من أرضهم في الضفة والقدس، ومواصلة حرب الإبادة في غزة.
ويبقى القول.. إنَّ مأساة غزة لن تنتهي ما لم يتَّحد العرب والعالم خلف موقف صلب وشجاع، يُطالب أمريكا بإنهاء دعمها لإسرائيل، وإلزام هذا الكيان الغاصب بمقررات الشرعية الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وإعادة إعمار غزة وتعويض أهلها عن كل ما تعرضوا له من خسائر جراء حرب الإبادة، عندئذٍ سيعود الاستقرار تدريجيًا إلى المنطقة، أمَّا الحديث عن سلام دون ذلك لا يعدو كونه ضربًا من الخيال والوهم.. فلا نامت أعين الجُبناء!!
