أمريكا لا تريد السلام

حاتم الطائي

◄ أمريكا تُقدِّم دعمًا عسكريًا لا محدود وغطاءً سياسيًا فجًا للكيان الصهيوني

◄ أزمة مضيق هرمز تؤكد حتمية الحل السلمي لا العسكري

◄ لا بُد أن يعلو صوت الحكمة والدبلوماسية على أزيز الطائرات ودوي الصواريخ

كشفتْ مجريات الحرب الدائرة رحاها في المنطقة عن الدور التدميري للصهيونية العالمية المدعومة من الولايات المُتحدة الأمريكية، فلا تكاد تضع الحرب أوزارها حتى ينفخ العابثون في رمادها لإشعال النيران مُجددًا، وما إن تهدأ أصوات الصواريخ وتعود الطائرات المقاتلة إلى حظائرها، حتى يعود القصف والتدمير، في مشهد عبثي يفاقم التحديات التي تعيشها المنطقة، وحالة تأجيج الصراع المستمرة، والتي لا تسعى سوى لاستنزاف الدول وهدمها من الداخل، لكي تبقى دولة الاحتلال الصهيونية الوحيدة الصامدة والمتفوقة اقتصاديًا وعسكريًا.

ولم يعد خافيًا مدى الدعم اللامحدود الذي تمنحه الإدارات الأمريكية المُتعاقبة لإسرائيل، بدءًا من الدعم الاستخباراتي والأمني ومرورًا بالدعم العسكري من ذخيرة وأسلحة متقدمة وطائرات ومنظومات دفاع جوي، وليس انتهاء بالغطاء السياسي الفج داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفي المحافل الدولية. لقد ظلت إسرائيل تنفذ المذابح الجماعية في قطاع غزة، مرتكبةً أبشع جريمة حرب في التاريخ الحديث، وواصلت سياسة الأرض المحروقة تمهيدًا لمحاولات تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، وسط دعم أمريكي لا مثيل له. وعندما امتدَّ الأمر إلى الضفة الغربية المحتلة، أظهرت واشنطن تجاهلًا تامًا للمساعي الصهيونية الحثيثة لتغيير التركيبة الديموغرافية، على أيدي المستوطنين الإرهابيين الذين يمارسون أبشع صور الهمجية والإرهاب بحق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة.

وعندما أشعلت إسرائيل نيران الحرب مع إيران، ألقت الولايات المتحدة بكامل ثقلها العسكري وأرسلت أعتى أسلحتها الهجومية وطائراتها المقاتلة، واستخدمت أشد القنابل دمارًا، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، الذي يُجرِّم استخدام هذه الأسلحة في الحروب.

ورغم مذكرة التفاهم التي أبرمتها واشنطن وطهران، إلا أنَّ الرئيس دونالد ترامب نكص على عقبيه وعاد لقصف إيران ووضع المنطقة فوق كتلة من اللهيب المشتعل، ما تسبب في اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتوقف إمدادات الطاقة وحركة الشحن والبضائع.

هذه التطورات الخطيرة وما يشهده الوضع الإقليمي من قلاقل وعدم استقرار، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أننا أمام إدارة أمريكية غير راغبة في السلام، إدارة تمارس أعمال البلطجة السياسية، ترى في خطف رؤساء الدول وسيلة مشروعة لتنفيذ مخططاتها، ولا تجد غضاضة في أن تقصف دولة أخرى لمجرد الاعتقاد بأنها تطور سلاحًا نوويًا دون أدنى دليل على ذلك، وتتعمَّد مواصلة حرب عبثية على إيران من أجل إرضاء الكيان اللقيط المُسمى "إسرائيل". ومن العجب أن نرى الرئيس الأمريكي يتحدث عن مضيق هرمز والملاحة فيه، على نحو لا يحترم سيادة الدول المُشاطِئة، فتارة يزعم أنَّ المضيق تحت السيطرة الأمريكية وأن بإمكان السفن المرور دون عوائق، وتارة أخرى يرغب في تسميته "مضيق ترامب" أو "مضيق أمريكا"، علاوة ما يفرضه من حصار بحري على إيران تسبب في تفاقم مُعاناة المدنيين من الشعب الإيراني في ظل ارتفاع معدلات التضخم، بالتوازي مع العقوبات غير المسبوقة التي فرضتها واشنطن على إيران، والتي لا يمكن وصفها سوى أنها "حرب اقتصادية" تستهدف المواطن الإيراني في المقام الأول وليس الدولة الإيرانية في حد ذاتها وحسب.

ومن المؤسف أنَّ هذا الصراع تحول خلال الأيام الماضية إلى "حرب ناقلات النفط"، وهنا مكمن خطر آخر؛ إذ إن القصف المتبادل لناقلات النفط يُنذر بخطر هائل، يتجاوز خطر ارتفاع أسعار النفط نتيجة شُح المعروض أو تصاعد مخاوف الأسواق من هذه الاستهدافات، لكن الخطر الأكبر يتمثل في التداعيات البيئية الناجمة عن قصف سفن تحمل في داخلها أطنانًا من النفط الخام، والذي يمثل مصدر تهديد بيئي غير مسبوق، يفاقم المخاوف من تسرب نفطي قد يودي بالحياة الفطرية البحرية بالكامل، ويكفي أن نُشير في هذا السياق إلى السفينة الجانحة قبالة شواطئ شليم وجزر الحلانيات بمحافظة ظفار جنوب السلطنة، وما تسرب منها من نفط غطى مساحات شاسعة من بحر العرب، في تهديد واسع المدى للبيئة البحرية والشعاب المرجانية والأحياء المائية.

ولم تتوقف رغبة الولايات المتحدة في إبقاء الحرب مشتعلة عند مواصلة القصف والتهديد بالدمار، وإنما عمدت الإدارة الأمريكية لإجهاض أي مساعٍٍ للسلام، وأبلغ دليل على ذلك انهيار مذكرة التفاهم التي وقعتها أمريكا وإيران بوساطة باكستانية، بعد جهود مضنية بذلتها إسلام أباد. هذا إلى جانب جهود الوساطة العُمانية الحثيثة لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر والتوصل إلى حلول سلمية للصراع، والتي يبدو أنها لم تجد الاستجابة الكافية من الجانب الأمريكي.

اليوم تقف منطقة الخليج أمام مشهد بالغ الصعوبة ومحفوف بالتحديات، فمضيق هرمز يبدو شبه مغلق أمام حركة الملاحة البحرية، وتتزايد المخاوف من إجراء مُماثل يُهدد مضيق باب المندب على البحر الأحمر؛ الأمر الذي يُنذر باحتمالية انهيار منظومة النقل البحري الدولية، لأنَّ المضيقين يمثلان شريانين حيويين، وليس مجرد مجريين مائيين، وما لم تُتخذ إجراءات لنزع فتيل الأزمات والصراعات عن منطقتنا، فلن نجني سوى الخسائر.

والمستفيد الوحيد من هذه الحروب والصراعات هي دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ تريد إضعاف كافة دول المنطقة، إما عن طريق زعزعة استقرارها اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، أو من خلال فرض الإذعان عليها، لتتحول دول المنطقة إلى تابع لكيان مُجرم يعيث في الأرض فسادًا.

ويبقى القول إنَّ المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يعلو صوت الحكمة على أصوات المدافع والقنابل، وأن تهيئ المساعي الخيّرة التي تبذلها الدبلوماسية العُمانية، الطريق أمام تسوية إقليمية شاملة، وفق رؤية تضع السلام دون سواه على رأس الأولويات، ونهج يُعلي من قيمة الاستقرار كركيزة أساسية لتحقيق النمو وضمان العيش الكريم لشعوب هذه المنطقة، التي يبدو أن البعض يحيك لها المؤامرات واحدة تلو الأخرى، لكن هيهات هيهات.. فكُلنا ثقة في حكمة الدبلوماسية العُمانية وقدرتها على لَمِّ الشمل وإصلاح ذات البين ونزع فتيل الحرب.

الأكثر قراءة

z