حركة التاريخ وزين نور الدين

 

 

 

 

عيسى الغساني

من المسلّمات في حركة التاريخ أن الصعود والانكفاء حقيقة تاريخية ثابتة منذ تكوّن الحضارات البشرية؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وكان كل بزوغ حضاري مستندًا إلى ثوابت من المعرفة الخلاقة، المنتجة، والراعية لقيمة الإنسان؛ مما دعا البشر من أقصى الأرض إلى العيش والمساهمة في تكوين تلك الحضارات، ليس بدافع العيش والرفاه فحسب، بل لأن تلك الحضارات تجعل الإنسان وكرامته وإنسانيته وحقوقه هي الأصل والفرع والضرورة والحق؛ فلا توجد حضارة استحقت مسمى "حضارة" إلا وكانت نتاجًا لجميع البشر، وليست حكرًا على جنس أو عرق أو لغة بعينها؛ فاللّه تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.

ولكن يبقى السؤال المطروح على الفرد والجماعة: ماذا يدفعنا نحو بناء الحضارة؟ ليس هناك جواب قاطع، ولكن ثمة مقدمات ونتائج إذا أُحسن فهمها وتطبيقها تحققت الغاية؛ ومنها فهم التاريخ ودراسته حتى لا تُكرَّر الأخطاء وتُصحَّح المسارات.

ولعل من أهم الشخصيات الفكرية في هذا المجال الدكتور زين نور الدين زين، الذي يُعد من أبرز مؤرخي الشرق الأدنى الحديث، وأحد رواد المدرسة الأكاديمية النقدية في دراسة التاريخ العربي والعثماني؛ إذ ترك أثرًا منهجيًا كبيرًا في إعادة صياغة كتابة التاريخ الحديث للمنطقة.

يرتكز المنهج التاريخي للدكتور زين على التحليل العلمي النقدي المستند إلى المادة التوثيقية؛ حيث انطلق من مبدأ أن التاريخ لا يُبنى على الانطباعات الشفهية أو الروايات العاطفية، بل على الاستقصاء الأرشيفي المباشر. وقد اعتمد في أبحاثه على أبعاد توثيقية رئيسية تتمثل في: أولا: الأرشيفات الدولية: الوثائق البريطانية الرسمية (Public Record Office)، والوثائق الدبلوماسية الفرنسية. ثانيا: الأرشيف العثماني والمحلي: السجلات الرسمية العثمانية، والمراسلات المباشر. ثالثا: الأوراق الخاصة: المذكرات والرسائل غير المنشورة للفاعلين السياسيين في تلك الفترة. كما تميّز منهجه بالابتعاد عن الأحكام القيمية المسبقة والرؤية التبسيطية الشائعة في الأدبيات القومية المبكرة؛ فلم يُصوّر العصر العثماني كأنه مجرد فترة "ظلام مطلق"، بل عمل على تفكيك بنيته السياسية والاجتماعية، ودراسة علاقة العرب بالعثمانيين في سياقها التاريخي المركّب دون إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي.

الأكثر قراءة

z