◄ "7 أكتوبر".. يوم خالد في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال
◄ الدعم الأمريكي لحرب الإبادة يضعها في قفص الاتهام مع إسرائيل
◄ الصهيونية تسعى لإخضاع المنطقة وتنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى"
حاتم الطائي
أيامٌ قليلةٌ وتحل علينا ذكرى السابع من أكتوبر، تلك الملحمة الفلسطينية التي سطّرها المُناضل الشهيد يحيى السنوار، رفقة أبطال المقاومة الشُجعان، الذين لم يهابوا الموت يومًا، وما يزالون مُستعدين للتضحية بالنفس وبكل ما يملكون من أجل صون الكرامة الفلسطينية واستعادة الأرض المسلوبة، في مواجهة تواطؤ عالمي غير مسبوق في تاريخ البشرية.
في السابع من أكتوبر نستذكر روح النضال التي كَتبتْ بمدادٍ من ذهب، قصةَ أكثر المعارك الحربية جرأة وإقدامًا، عندما قررت مجموعات المقاومة شن أقوى هجوم في الأرض المُحتلة، ومُباغتة مجرمي الصهيونية في يوم سبتهم، ليختل توازن العدو في سويعات معدودة، ترتبك معها أجهزته وقياداته، لدرجة تُفقدهم التمييز وتدفعهم إلى فتح النيران على كل من يسير على قدمين، فيقتلون أعدادًا كبيرة من الصهاينة المُحتلين، ويزعمون بعد ذلك أنَّ المقاومة الفلسطينية الشريفة قتلت من تصفهم بـ"المدنيين العُزل". نستذكر في هذا اليوم، أن شعبًا أعزلَ قرر أن يُخبر العالم المعنى الحقيقي للصمود والصبر والمُقاومة، تحت وطأة حرب إبادة لم ترحم امرأةً ولا شيخًا ولا صغيرًا ولا كبيرًا، فكانت نيران المدفعية الثقيلة ورصاصات القناصة والطائرات المسيرة تُمطرهم بزخات لا تتوقف، في موجات لا نهائية من الإبادة والتدمير؛ في مشهد وثقته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك ما يزال المجرم طليقًا، دون مساءلة أو محاكمة.
نُحيي في النفوس وفي وجدان الأمة وفي تاريخنا المعاصر، هذه الذكرى رغم أنها أوجعت قلوب أصحاب الضمائر الحيَّة وأدمت مآقيهم وفجرت مشاعر الألم والغضب في أنحاء العالم، لكنها في المقابل برهنت على أنَّ المقاومة لا تموت أبدًا، وأنَّ المطالبة بالحقوق واستعادة الأرض لا يمكن أن تندثر بصواريخ الظلم والعدوان ولا بالتواطؤ الخسيس من قوى قررت في جُنح من الليل أن تمنح الصهيونية فرصتها للهيمنة على المنطقة ومصيرها ومستقبلها.
وبعد مرور ما يزيد على 3 سنوات من حرب الإبادة، وفشل كل المؤامرات الدولية والإقليمية لوأد الحق وإطفاء جذوة المقاومة، علينا أن نطرح جُملة من النقاط، منها:
أولًا: من يُموِّل حرب الإبادة؟ وهذا التساؤل الاستنكاري في جوهره، لا نهدف من خلاله إلى طرح إجابات معروفة مُسبقًا، وإنما نسعى لتعرية الحقيقة التي ربما يغفل عنها البعض؛ فالولايات المتحدة الأمريكية هي الداعم الأكبر لحرب الإبادة التي بدأها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وهنا نتحدث عن أمريكا القوى التي تمتلك التقنيات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية والضغط الدبلوماسي والاقتصادي على مفاصل العالم، ولا سيما عالمنا العربي. ولا فرق بين إدارة جو بايدن الذي اعترف بصهيونيته بلا مواربة، أو إدارة دونالد ترامب التي مولت بمليارات الدولارات مبيعات سلاح وذخيرة فتّاكة، آخرها- قبل أسبوعين فقط- صفقة تمويل عسكري بـ2.8 مليار دولار، تشمل 40 ألف قنبلة، تزن الواحدة منها 2000 رطل، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف القوة التدميرية للقنبلة النووية التي أطلقتها أمريكا على هيروشيما اليابانية. وهنا يجب أن نكشف بلا مواربة مدى تغلغل اللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية وفي العديد من الدول الأوروبية وربما حتى دول المنطقة؛ بما يسمح للصهاينة بفرض إملاءاتهم وتنفيذ شرورهم. والأسوأ من ذلك أنَّ إدارة ترامب سمحت لهذا الكيان المُجرم بتنفيذ أول عدوان صهيوني على دولة خليجية تحت مزاعم استهداف قيادات المُقاومة. ولذلك لا بُد من أن تُقدَّم واشنطن للمحكمة الجنائية الدولية كشريك أصيل في حرب الإبادة وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ثانيًا: فشل الحرب في التهجير وسرقة الأرض. هنا نؤكد أن الفضل الأول والأخير يعود إلى الشعب الفلسطيني البطل، وإلى مغاوير المقاومة الذين ظلوا- وما يزالون- يناضلون حتى آخر قطرة دم في مواجهة محتل غاصب، ومجرم دموي. هذا الصمود الفلسطيني أحبط المؤامرة الكبرى لتهجير الفلسطينيين ومنه مخطط تحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وصاحب ذلك موقف عربي تصدرته عُماننا الحبيبة؛ حيث كانت الدولة الأولى التي دعت إلى محاسبة مجرمي الحرب الصهاينة وتعويض الشعب الفلسطيني عن الدمار الذي لحق به وعن الشهداء الذين ارتقوا خلال الإبادة الجماعية.
ثالثًا: صحوة الوعي العربي والعالمي تكبح جماح المؤامرة الكبرى. حرب الإبادة فشلت في تحقيق مآربها الشيطانية لأنَّ صحوة عربية وعالمية تفجّرت في أنحاء العالم، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي السلاح الخارق لنسف "المؤامرة الكبرى"، فخرجت التظاهرات العارمة في كبرى المدن، لا سيما الأوروبية منها، وشاهدنا مسيرات مليونية في شوارع بروكسل وباريس وأمستردام وروما ومدريد وبرشلونة وستوكهولم وجنيف وكوبنهاجن وفيينا وغيرها، وفي آسيا وعدد من الدول العربية كذلك. كما ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بالصور ومقاطع الفيديو والتصوير المُباشر للمذابح التي نفذها جيش الاحتلال الصهيوني، والدمار الشامل الذي تعرض له قطاع غزة. هذه الصحوة فضحت أكاذيب الصهيونية ونجحت في بناء رأي عام عالمي لم يعد يخشى اتهامات "معاداة السامية" الجاهزة، ولا ترهبه رصاصات الموساد التي تستهدف كل مُناهض للصهيونية. رأي عام عالمي شجاع يقول الحق في عصر عزَّ فيه الشُجعان في عالمنا العربي والإسلامي!
رابعًا: علاقة الحرب على إيران وإخضاع المنطقة للصهاينة؟
شنت أمريكا عدوانًا مشتركًا مع الكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مسعى خبيث لإسقاط النظام وسرقة مقدرات الأمة الإيرانية، فما كان جزاؤهم إلّا الهزيمة الساحقة، والفشل الذريع في تحقيق أي هدف مزعوم، فما تزال إيران- إلى اليوم- قوة صامدة في وجه الصهيونية وأمريكا، ونفذت تهديدها الأخطر بغلق مضيق هرمز، وأوقفت صادرات الطاقة من دول المنطقة.
هذا العدوان لم يكن يسعى فقط لإسقاط النظام، وإنما هدف إلى تدمير دول المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا؛ حيث لم تسلم هذه الدول من نيران الحرب، وتتوجع اقتصاديًا مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، وتراجع معنويات الاستثمار تجاه المنطقة. ولقد اعترف ترامب- في حديثه مع الإعلامي الأمريكي المؤثر تاكر كارلسون- أنه كان يعلم أن هذه الحرب ستتسبب في تدمير دول المنطقة، ما يؤكد أنَّ ذلك كان هدفًا محوريًا من الحرب؛ إذ إن هذا التدمير يُتيح للكيان الصهيوني إخضاع دول المنطقة، في مرحلة سيكون عنوانها "من لم يخضع بالتطبيع سيخضع بالتدمير"؛ وذلك بالتزامن مع تراجع الحماية الأمريكية وانسحابها من المنطقة، ومساعي الصهيونية لتنفيذ مخطط ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى"، الذي لا يعدو كونه أضغاث أوهام لن تتحقق ما دام في هذه الأُمَّة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
إنَّنا نتحدث عن سرطان صهيوني ينخر في عظم هذه الأُمَّة منذ أكثر من ثمانية عقود؛ بل قرن كامل منذ ذلك الوعد المشؤوم. سرطان حَرَمَ المنطقة من الاستفادة من خيراتها ومواردها، وقتل مسيرة التنمية في مهدها، ولم يسمح بنهضة عربية شاملة، ودفع الدول المركزية الكبرى إمَّا للاستنزاف المُستمر أو القبول بسلام مُقيِّد للقوة، فيما تخشى دول الأطراف والدول الأصغر حجمًا من شبح التفكُّك والتشرذُم. ويمكن لكل ذي لُبٍ أن ينظر إلى المنطقة اليوم، ليجد نيران الحرب تشتعل على أكثر من جبهة، والمضائق البحرية إما مُغلقة أو غير آمنة للعبور، والتنمية الاقتصادية تتراجع على حساب التسليح، والداعين للسلام بُحَّت أصواتهم دون جدوى!
ولذلك نؤيِّد تمامًا توجُّهات دبلوماسيتنا العُمانية الحكيمة الساعية لنزع فتيل الحرب وبسط السلام في أنحاء المنطقة والعالم، عبر عدة خطوات لا غنى عنها، تبدأ بتوقيع اتفاقية عدم اعتداء بين دول المنطقة وإيران، وإبرام اتفاق شامل بين إيران والغرب يحفظ حقوق كل طرف ويقضي على أية مخاوف تجاه كل جانب، علاوة على وقف جميع محاولات فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني على دول المنطقة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وإعادة إعمار غزة والضفة الغربية، وتوحيد الأرض الفلسطينية على حدود 1967.
ويبقى القول.. إنَّ السرطان الصهيوني ليس سوى ورم خبيث يجب استئصاله من منطقتنا، وأن تنتبه دول المنطقة إلى ضرورة لمِّ الشمل والاجتماع على كلمة سواء تنبذ الخلافات، وتُنهي مؤامرات البعض على البعض الآخر، لكي نصنع المستقبل الذي يليق بماضينا العريق ويُلبي تطلعات أجيالنا الحاضرة والقادمة.
