أنور الخنجري
كلما تحدثنا عن الترجمة حضرت كلمة "الأمانة". ويبدو معناها، للوهلة الأولى، بسيطًا: أن ينقل المترجم ما قاله الكاتب من لغة إلى أخرى، من دون زيادة أو نقصان. لكن هذه الصورة تبدو أقل بساطة حين ندرك أنَّ الكلمات لا تعيش منفصلة عن ثقافتها وزمنها وسياقها. فما يبدو واضحًا في لغة قد يفقد ظلاله في أخرى، وما تؤديه جملة قصيرة في أصلها قد يحتاج إلى اجتهاد طويل كي يؤدي الأثر نفسه في اللغة الجديدة.
لهذا فإنَّ الترجمة ليست نقلًا ميكانيكيًا لنص من مكان إلى آخر، ولا يمكن أن تكون صورة مطابقة للأصل. فالنص الأدبي أو الفكري ليس مجموعة كلمات يمكن استبدالها بكلمات أخرى، بل كائن يحمل ذاكرة وثقافة وإيحاءات، وحين ينتقل إلى لغة جديدة، فإنِّه لا يعبر إليها كما هو، بل يُعاد خلقه داخلها. وما يصل إلى القارئ في النهاية ليس "النص نفسه"، بل قراءة المترجم له ومحاولته أن يمنحه حياة جديدة.
المترجم الجيِّد لا يكتفي بفهم الكلمات؛ بل يحاول أن يفهم ما وراءها: زمن النص، ومرجعياته، ونبرته، وما يقوله صراحة وما يتركه للإيحاء. فالوفاء للنص لا يعني دائمًا الوفاء لشكل عباراته، وإنما الوفاء لروحه ومقصده ووظيفته. وقد يضطر المترجم أحيانًا إلى تغيير صورة أو تركيب أو إيقاع حتى يستعيد في اللغة الجديدة الأثر الذي تركه الأصل في لغته الأولى. هنا يصبح الاجتهاد الإبداعي جزءًا من الأمانة، لا خروجًا عليها.
لكنَّ لهذه الحرية حدودًا واضحة؛ فثمة فرق جوهري بين التصرف الإبداعي والتحريف. الأول يغيّر المظهر من أجل الحفاظ على الجوهر، أما الثاني فيغيّر الجوهر ولو بدا النص، في ظاهره، قريبًا من الأصل. حين يحذف المترجم فقرة لأنها معقدة، أو يلطّف موقفًا لأنه حاد، أو يستبدل إشارة تاريخية بأخرى أكثر قبولًا، أو يضيف إلى كلام الكاتب ما لم يقله، فإنه لا يعود يؤول النص، بل يعيد كتابته وفق اختياراته الخاصة.
وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية للمترجم؛ فهو يقف بين عالميْن، ولا ينقل الكلمات وحدها، بل يساهم في تشكيل الصورة التي سيكوّنها القارئ عن الكاتب والنص والثقافة التي جاء منها. لذلك عليه أن يحترم الكاتب من دون أن يتحول إلى ظله، وأن يحترم القارئ من دون أن يفترض أنه عاجز عن الفهم أو الاختلاف.
وتزداد المسألة حساسية عندما يتعلق الأمر بالنصوص التاريخية؛ فالنصوص القديمة تحمل أسماء وشخصيات وأحداثًا ومواقف قد تبدو اليوم صادمة أو غير مريحة. لكن مهمة المترجم ليست أن يجعل الماضي ملائمًا للحاضر، ولا أن يعيد كتابة التاريخ وفق حساسيات اللحظة. يمكنه أن يشرح، وأن يضع هامشًا، وأن يقدم سياقًا، لكن عليه أن يترك النص يتحدث؛ فالشرح شيء، والتغيير شيء آخر.
وإذا كان ثمة اعتراض على نص تاريخي أو فكري، فالأفضل أن يعرف القارئ سياقه بدل أن يُحذف منه ما قد يثير الجدل. فالترجمة الأمينة لا تحاكم الماضي نيابة عن القارئ، بل تمنحه الأدوات التي تساعده على فهمه والحكم عليه.
لكن المشكلة لا تنتهي عند المترجم؛ فأحيانًا تمتد إلى سلطة الرقابة، حين يتعارض النص المترجم مع رؤية الرقيب أو معايير جهة ما، فيُمنع الكتاب من النشر أو التداول، أو يُعطّل من دون إبداء أسباب واضحة.
إنَّ المنع غير المُعلَّل لا ينهي الجدل، بل قد يصنع حول النص نصًا آخر غير مكتوب، تتشكل ملامحه من الشائعات والتخمينات والأسئلة التي لا تجد جوابًا. أما المراجعة القائمة على معايير واضحة وقابلة للنقاش، فهي شيء مختلف؛ إذ تتيح للقارئ أن يعرف سبب الاعتراض، وتفتح بابًا للحوار بدل أن تتركه أمام باب مغلق.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: من يملك المعنى؟ الكاتب، أم المترجم، أم القارئ؟
ربما لا يملكه أحد بصورة كاملة. فالكاتب يطلق النص، والمترجم يعيد تشكيله في لغة أخرى، والقارئ يستقبله ويمنحه دلالاته الخاصة. وهذه العلاقة الثلاثية هي التي تمنح النص قدرته على الحياة والاستمرار. أما حين يتدخل طرف آخر ليُقرر مسبقًا ما الذي يجوز للقارئ أن يعرفه، تتحول الترجمة من جسر إلى بوابة عليها حارس. والقارئ لا يحتاج إلى حارس يحميه من النص، بل إلى مترجم يحترم قدرته على الفهم والاختلاف.
لذلك فإنَّ الدفاع عن الترجمة ليس دفاعًا عن حرية المترجم في أن يفعل بالنص ما يشاء، كما أنه ليس قبولًا بتحويله إلى ناسخ بلا رأي. إنها مسؤولية مشتركة تحفظ ثلاثة حقوق: حق الكاتب في أن يصل صوته من دون تشويه، وحق المترجم في أن يجتهد ويؤول ضمن حدود الأمانة، وحق القارئ في أن يتلقى النص كاملًا قدر الإمكان، ثم يفهمه ويختلف معه ويحكم عليه بنفسه.
وفي النهاية، ربما لا تكون الأمانة في الترجمة أن ننقل النص كما كُتب، فهذا أمر يستحيل تحقيقه بصورة مطلقة، ولا أن نترك للمترجم حرية إعادة كتابته كما يشاء. الأمانة تقع في المسافة الدقيقة بين الأمرين: أن يتدخل المترجم حيث تفرض اللغة تدخله، وأن يتراجع حيث يصبح تدخله خيانة للنص؛ أن يمنح الكلمات حياة جديدة، من دون أن يمنحها أفكارًا جديدة؛ وأن يفتح النص على قارئ جديد، من دون أن يغلقه أمام المعنى الذي جاء به صاحبه.
الترجمة في جوهرها ليست استبدال لغة بلغة، وإنما عبور نص من عالم إلى عالم. وفي كل عبور شيء يتغير، لكن ليس كل شيء يجوز أن يتغير. وما يبقى هو مسؤولية المترجم تجاه النص: أن يحفظ صوته قدر الإمكان، وأن يصون اختلافه، وألا يختصره في ما يراه هو أكثر ملاءمة أو قبولًا.
لهذا لا تكون الأمانة الحقيقية في الترجمة عبودية للحرف، ولا حرية مطلقة في التأويل، بل مسؤولية عن المعنى، وثقة بالقارئ. أن يصل النص حيًا إلى لغة أخرى، كاملًا ما أمكن، أمينًا ما أمكن، ثم يُترك للقارئ حقه الأهم: أن يقرأ، ويفهم، ويسأل، ويختلف، ويحكم بنفسه.
