دعا إلى سن تشريعات لتنظيم وتسهيل المشروعات السياحية في القرى

البلوشي لـ"الرؤية": القرى العُمانية مُحرِّكات سياحية واقتصادية.. والأسر المنتجة أحد أعمدة السياحة التراثية

 

◄ 3 نماذج اقتصادية لتعظيم الاستفادة من القرى التراثية

◄ الحارات العُمانية يُمكن أن تتحول إلى مزارات سياحية عالمية

◄ التجارب السياحية في عُمان متعددة.. والمبطخ العُماني ثري في تنوعه

◄ أحث الشباب على الانخراط في مشروعات القرى التراثية

◄ ضرورة إشراك المجتمع المحلي في المشروعات السياحية بالقرى

◄ اللامركزية تُسهِّل الحصول على تراخيص النزل التراثية

◄ مقترح بإنشاء بنك متخصص لدعم مشاريع "سياحة القرى" وتوجيه التمويل اللازم

◄ إطلاق "خريطة رقمية" للقرى السياحية التراثية في عُمان يدعم ازدهارها

◄ أدعو لإنشاء جمعيات أهلية لإدارة القرى والترويج للأماكن السياحية

 

 

الرؤية- سارة العبرية

أكد الدكتور خالد بن عبدالوهاب البلوشي الأكاديمي والمختص في الشأن السياحي، أن القرى العُمانية تزخر بمقومات نوعية تؤهلها للتحول إلى محركات سياحية واقتصادية مستدامة، إذا ما جرى استثمار هويتها التراثية والزراعية والثقافية وتحويلها إلى تجارب سياحية متكاملة.

قرية سيجاء.jpg
 

وقال البلوشي- في حوار خاص مع "الرؤية"- إن أي تحول أو تغيير يجب ألا ينحصر على ترميم المكان أو تنظيفه، وإنما يمتد إلى تحويل القرية من موقع لالتقاط الصور فقط، إلى حلقة اقتصادية كاملة ومتكاملة، موضحًا أن التحدي يتمثل في كيفية تقديم تجربة تُشجِّع السائح على المبيت في المنشآت الفندقية والنزل وينفق على مشتريات من هذه القرية. وذكر أن تطوير سياحة القرى يتضمن العمل على إطالة مدة إقامة السائح وزيادة إنفاقه، والأهم إشراك المجتمع المحلي في الأنشطة والخدمات، بما يفتح مصادر دخل جديدة لأبناء المجتمع. وحث البلوشي في هذا الإطار، على سن تشريعات وتقديم تمويلات وتوفير حلول رقمية، تدعم نمو هذا القطاع وتحافظ في الوقت ذاته على أصالة القرى وهويتها العُمانية.

3 نماذج اقتصادية

وبيّن أن ذلك يمكن تطبيقه من خلال 3 نماذج؛ أولها نموذج الإنفاق، وكيفية تحفيز السائح على الإنفاق وشراء المنتجات، مثل عسل النحل أو منتجات النخيل والتمور أو الصناعات الحرفية وما تُنتجه الأسر المنتجة. وبيّن أن النموذج الثاني يتمثل في "نموذج التجربة" من خلال تفاعل السائح مع المنطقة أو القرية بالمشاركة في أنشطة مختلفة، مثل قطف الورد أو الرمان أو جداد النخيل وغيرها من التجارب. في حين أن النموذج الثالث، كما يوضح البلوشي، يتمثل في كيفية تشجيع السائح على الإقامة في القرية، عبر إتاحة الفرصة لأصحاب البيوت التراثية لتحويلها إلى نُزل جميلة بلمسة معمارية وفنية عُمانية، داعيًا إلى الحد من "التحديث المبالغ فيه" لهذه النزل بما قد يُفقدها نكهتها وهويتها التراثية الأصيلة. وأشار إلى وجود تجارب قائمة بالفعل، مثل مسفاة العبريين وقرية السوجرة، وبعض المواقع في محافظة الداخلية وولايات نزوى وتوابعها، وكذلك في بعض الولايات الأخرى كقرية سيجاء ومنال بولاية سمائل.

وأكد البلوشي أن المقومات التي تزخر بها القرى العُمانية متعددة؛ إذ يوجد العديد من القرى والحارات التي تتميز كل منها بهويتها الخاصة، موضحًا أن هناك قرى ساحلية، وأخرى بُنيت معظم بيوتها من الطين ومنها الحصون، إلى جانب قرى تتميز بوجود الأفلاج والمزارع، وقرى الجبل الأخضر وجبل شمس وجبل هاط، مؤكدًا أن هذه القرى جميعها تضم أنشطة وفعاليات متعددة يمكن التوسع في تنفيذها. ولفت إلى أن بعض هذه القرى مسجلة في قائمة التراث لدى اليونسكو، ويمكن تسويقها ضمن السياحة الزراعية والسياحة البيئية.

التاريخ غير المادي

وأوضح أن هناك أيضًا تجربة المنتج غير المادي أو التاريخ غير المادي، مثل القصص والأمثال، إضافة إلى المطبخ العُماني؛ حيث يمكن أن يعيش السائح تجربة المطبخ العُماني من خلال مشاركة الأسر المنتجة في إعداد الوجبات، مؤكدًا أن هذه التجارب نادرة وفريدة من نوعها. وأبرز البلوشي مسألة تعزيز الوعي بأن القطاع السياحي قادر على توفير وظائف، وأن على الشباب أن يبحثوا عن فرص عمل وليس وظائف خلف المكاتب في الحكومة أو القطاع الخاص. وبيّن أن ذلك يتطلب خلق ما يسمى "سلسلة القيمة"، بحيث يستطيع المُزارِع في إحدى القرى التي تشتهر بالزراعة الترويج لمنتج معين لديه، وتحويل تجربة المنتج الموجود في المزرعة إلى تجربة فعلية يمارسها السائح، من خلال المشاركة في قطف الرمان أو الورد أو الفواكه الأخرى المنتشرة في بعض الأماكن، وبالتالي يحقق مكاسب مادية من هكذا نشاط. وتابع أن أفراد الأسرة يمكنهم المساعدة في بيع وتسويق المنتجات؛ سواء كانت عسلًا أو دبس رمان أو دبس تمر وغيرها.

مسفاة العبريين.jpeg
 

وأشار إلى إمكانية مشاركة الأبناء أيضًا في مهام الإرشاد السياحي داخل المزرعة، كما يمكن أهل القرية العمل على وسائل نقل ذكية مؤهلة للسير والتجول في هذه القرى، بما يضمن عوائد اقتصادية مُجدية.

وأكد أن هذا الأمر ليس غريبًا، لافتا إلى وجود تجربة جميلة في ولاية نزوى تعتبر سلسلة متكاملة من عناقيد التعامل، والتي يمكن تسميتها "العناقيد السياحية"؛ حيث يحدث نوع من التكامل بين الأسر. وأوضح البلوشي أنه يمكن للأسر العُمانية، في حال تطبيق نظام "Airbnb" أو الغرف والشقق والبيوت الفندقية التي تؤجَّر عبر الإنترنت، توفير المواد الغذائية والوجبات لسكان تلك النزل أو البيوت.

واقترح البلوشي اعتماد مسمى "صُنع في قرى عُمان" أو "صُنع في قريتي" أو "هذا صُنع قريتي"، مؤكدًا أهمية تمييز هذه المنتجات ومنحها مكانة بين المنتجات الموجودة، بحيث لا يقتصر الأمر على شعار "صُنع في عُمان"، وإنما يمتد إلى "صُنع في قريتي"، للتمييز بين منتجات المصانع والمنتجات التي تصنعها الأسر في القرى.

إشراك المجتمع المحلي

ونوه البلوشي إلى ضرورة إشراك المجتمع المحلي في أي مشاريع سياحية بهذه القرى مع ضمان الحفاظ على الهوية، مشيرًا إلى أن أي مستثمر أجنبي يرغب في الاستثمار بهذه القرى، يتعين عليه أن يضع في عين الاعتبار ضرورة أن تكون النسب الكبرى لأهل القرية.

وأعرب عن أمله في إشهار جمعية أهلية في كل قرية سياحية، بحيث تتولى إدارة وترويج الأماكن السياحية فيها، معتبرًا أن هذا النموذج يمكن أن يسهم في تعزيز مشاركة المجتمع المحلي. وشدد على ضرورة الحفاظ على أساسيات وآليات البناء، وعدم إدخال مواد أخرى تشوه المنظر العام للقرى، مؤكدًا الحاجة إلى "النموذج العُماني المتكامل".

وأشار إلى أن المنظومة التشريعية العُمانية تفتقر حتى الآن إلى تشريع للسياحة الريفية أو سياحة القرى، مؤكدًا الحاجة إلى سن تشريعٍ يُنظِّم هذا النوع من السياحة، مبينًا أن تصريح النُزل في الوقت الحالي يحتاج إلى العديد من الموافقات؛ الأمر الذي يسبب صعوبة في الإجراءات.

ويأمل البلوشي تعزيز نهج اللامركزية للمحافظ والوالي في منح تلك التراخيص، مع الالتزام بالقواعد التي تفرضها وزارة التراث والسياحة، بحيث تقوم الوزارة بدور الرقيب والمتابع، موضحًا أن لامركزية هذه الإجراءات يمكن أن تساعد في تسريعها. كما اقترح تأسيس بنوك للمشاريع القروية الصغيرة، أو طرح منتجات تمويلية مخصصة وموجهة للقرى السياحية التراثية، على أن تكون نسب الفوائد معتدلة وتتلاءم مع طبيعة هذه المشروعات.

ودعا البلوشي إلى إنشاء "خريطة رقمية" للقرى في سلطنة عُمان، تكون لها آلية محددة لحجز النزل، موضحًا أنه لا يقتصر أن يكون التطبيق مخصصًا للنزل فقط، وإنما للقرى العُمانية بشكل عام، حتى يكون لكل قرية ما تتميز به من مقومات وتسهيلات. وأكد ضرورة أن يختلف تدريب المرشدين السياحيين في القرى عن باقي أنواع التدريبات، لأن التعامل هناك سيكون مع تراث وثقافة وبيئة تختلف عن المدن. وأكد أن القرى العُمانية تمثل أصولًا اقتصادية قوية تحتاج إلى الدعم، مشيرًا إلى أن المستقبل لا يكمن بالضرورة في بناء منتجع أو فندق أو مدينة سكنية بتكلفة مليونية، وإنما في إحياء القرى العُمانية؛ بما يسهم في التنمية الاقتصادية والعمرانية بتكلفة زهيدة مقارنة ببناء الفنادق والمنتجعات.

وشدد البلوشي على أن إحياء هذه القرى التراثية سيُعززّ الهوية العُمانية ويحافظ على الأصالة والعادات والتقاليد، داعيًا إلى الاستمرار في إيجاد وسائل الترويج والدعم والتنمية لها، مُتطلعا إلى تنفيذ مشاريع تنموية لإنعاش تلك القرى السياحية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z