التفسير الأيديولوجي للعلاقة بين إسرائيل وأمريكا

 

د. عبد الله الأشعل **

العلاقات بين إسرائيل وأمريكا كانت مُعقدة حتى وقت قريب، وبفضل دمار غزة ومشاركة أمريكا فيها، تمكنَّا من التفسير الحقيقي لهذه العلاقات، وهذه العلاقات قد مرَّت تفسيراتها بمرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة التفسيرات العقلية، والمرحلة الثانية هي مرحلة التفسير الأيديولوجي.

المرحلة الأولى قدمت عدة تفسيرات والسؤال الملح هو هل أمريكا تُسيِّر إسرائيل أم إسرائيل تُوَظِّف أمريكا؟!

وعكف أستاذان من جامعة هارفارد على بحث هذه النقطة واكتشفا في بحثهما أن المصالح غير متكافئة وأن إسرائيل عبء على أمريكا وطالبا الإدارة الأمريكية بالتوازن بين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية وأكدا في بحثهما أنَّ العلاقات الخارجية للدولة يجب أن تصمم على أساس تحقيق المصالح القومية، أما علاقة أمريكا بإسرائيل فإنَّ أمريكا لا تستفيد من إسرائيل الإفادة الكاملة. وقدمت في هذه المرحلة نظريات كثيرة لتحقيق المصلحة الأمريكية مقابل الدعم الأمريكي وظهرت نظرية ساذجة تقول إن إسرائيل وكيل حصري لأمريكا لتحقيق تطويع الحكام العرب لأمريكا.

لكن النظرية الحديثة تتجاوز شخصية الرئيس الأمريكي. وقلنا جميعاً إن الرئيس ترامب صهيوني حتى النخاع؛ ولذلك قدَّم مصلحة إسرائيل على مصالح أمريكا، ولولا الصدام مع إيران ما اكتشفنا النظرية الحديثة. وهذه النظرية تؤكد أن أمريكا الصورة الأصلية للصهيونية، وإسرائيل انعكاس لها أي أن أمريكا استزرعت إسرائيل كصورة نمطية لصهيونيتها ولا تحتاج إلى وسائل لإخضاع العرب. وهذه الصيغة أفضل من الاستعمار وقد رأينا مصداقا لذلك أن من العرب من قهر شعوبهم عشرات السنين وغيروا جيناتهم بحيث أصبحوا عرباً بغير العروبة وقيمها وقد رأينا ذلك عندما عجزت الشعوب العربية عن إنقاذ غزة وتحدي إسرائيل وتقديم الطعام والشراب لهم.

واتفقت أمريكا وإسرائيل على هامش المناورة وهي السماح للمتطوعين بالعمل الجزئي لإسكات العالم وليس لإنقاذ غزة. واحكمت إسرائيل قبضتها على غزة رغم أن العرب يملكون القوة اللازمة لتحدي إسرائيل. يكفي أن تهدد الدول المتعاقدة مع إسرائيل بوقف اتفاقات ما يسمى بـ"السلام".

وإذا كان ترامب قد وعد إسرائيل بمدها بأكبر صفقة أسلحة في تاريخها حتى تعتدي على إيران، فهو يهدف إلى حفظ ماء الوجه أمام إيران وكذلك الاستعانة باللوبي الصهيوني في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، ولم يلاحظ ترامب أن اللوبي الصهيوني يفقد قوته كل يوم أمام الشارع الأمريكي المؤيد لفلسطين، ومثال ذلك فإن مرشحين من الحزب الديمقراطي هزموا المرشحين المدعومين من الصهاينة في الانتخابات التمهيدية للكونجرس؛ وبذلك فإن ترامب يستخدم أساليب مرحلة ما قبل التفسير الأيديولوجي وسوف يخسر ترامب هذا الرهان .

والتفسير الأيديولوجي يتجاوز شخصيات الرؤساء ولذلك يتفاوت الرؤساء في قدر دعمهم لإسرائيل. وهكذا اكتشفنا التفسير الأيديولوجي للعلاقات بين أمريكا وإسرائيل بدليل أن كافة الرؤساء وكافة المؤسسات موالية لإسرائيل وفى الواقع هي موالية لأمريكا في صورة إسرائيل.

ولولا هذا التفسير لانخدعنا في شخصية ترامب الذي بالغ كثيرًا في خدمة إسرائيل؛ بل إنه في علاقته بإيران ضحى بالجنود الأمريكيين وبسمعة الولايات المتحدة.

والداخل الأمريكي يُدرك ذلك، وسوف يعاقبه المواطن الأمريكي عندما ينفض عن تأييد الحزب الجمهوري ويصبح ترامب عبئًا على الحزب الجمهوري.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z