وسائل التواصل الاجتماعي بين الفائدة والضرر

 

 

 

محمد العلوي

 

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار والمعلومات، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية لملايين المستخدمين حول العالم وبينما أسهمت هذه المنصات في تقريب المسافات وفتح مساحات واسعة للتعبير والتفاعل، فإن الاستخدام المفرط وغير الواعي لها أوجد تحديات متزايدة تمس الصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، والخصوصية، وحتى القدرة على التركيز واتخاذ القرار.

ويبرز خطر وسائل التواصل الاجتماعي عندما يتحول استخدامها من وسيلة للتواصل إلى عادة يصعب التحكم فيها، إذ يجد بعض المستخدمين أنفسهم يقضون ساعات طويلة في متابعة المحتوى والتنقل المستمر بين المنشورات والمقاطع والإشعارات، على حساب العمل أو الدراسة أو العلاقات الواقعية. ومع مرور الوقت، قد يصبح الهاتف حاضرًا في مختلف تفاصيل الحياة، حتى في اللحظات التي يفترض أن تكون مخصصة للعائلة أو الراحة.

ومن أبرز التأثيرات المرتبطة بالاستخدام المفرط الضغط النفسي والمقارنة الاجتماعية فالمحتوى الذي يظهر على المنصات غالبًا ما يعكس جانبًا منتقى من حياة الآخرين، ما قد يدفع بعض المستخدمين إلى مقارنة واقعهم اليومي بصور مثالية لحياة أشخاص آخرين وقد تولد هذه المقارنات شعورًا بعدم الرضا أو القلق أو انخفاض تقدير الذات، خصوصًا لدى فئة الشباب والمُراهقين.

ولا تتوقف المخاطر عند الجانب النفسي، إذ أصبحت المعلومات المضللة والأخبار غير الموثوقة من أبرز التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية فسرعة انتشار المحتوى تتيح وصول المعلومة إلى أعداد كبيرة من المستخدمين خلال وقت قصير، دون أن يعني ذلك بالضرورة صحتها. وقد يؤدي تداول الأخبار دون التحقق من مصادرها إلى نشر الشائعات، والتأثير في الرأي العام، وإرباك المتلقي.

كما تمثل الخصوصية الرقمية جانبًا آخر من جوانب الخطورة فمشاركة الصور والمعلومات الشخصية والموقع الجغرافي والتفاصيل اليومية قد تبدو بالنسبة إلى البعض ممارسة عادية، إلا أن الإفراط في مشاركة البيانات قد يعرض المستخدم لمخاطر تتعلق بالخصوصية والأمان الرقمي. ومن هنا تبرز أهمية الوعي بما يتم نشره، والتفكير في طبيعة المعلومات التي يمكن مشاركتها والجهات التي يمكن أن تصل إليها.

وفي الجانب الاجتماعي، قد تبدو المفارقة واضحة؛ فقد صممت وسائل التواصل لتقريب الناس من بعضهم، إلّا أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي أحيانًا إلى إضعاف التواصل المباشر؛ فوجود الأشخاص في المكان نفسه لا يعني بالضرورة وجود تفاعل حقيقي بينهم، عندما ينشغل كل فرد بشاشته الخاصة. ومع تكرار هذا السلوك، قد تتراجع مساحة الحوار المباشر والاستماع والمشاركة الفعلية في الحياة اليومية.

ومن التحديات الأخرى التي تفرضها المنصات الرقمية التنمر الإلكتروني وخطاب الكراهية، حيث تتيح بعض المنصات مساحة للتعليقات والتفاعل قد يستغلها البعض للإساءة إلى الآخرين أو التشهير بهم. وتزداد خطورة هذا النوع من السلوك بسبب سرعة انتشار المحتوى وإمكانية وصوله إلى جمهور واسع، الأمر الذي قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية طويلة الأمد على المتضررين.

ورغم هذه المخاطر، فإنَّ المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها فهي أدوات يمكن أن تكون مفيدة في التعليم والعمل والتواصل ونشر المعرفة، كما أصبحت مصدرًا مهمًا للأخبار والمعلومات والفرص المهنية إلا أن الاستفادة منها تتطلب وعيًا رقميًا يساعد المستخدم على إدارة وقته، والتحقق من المعلومات، وحماية خصوصيته، والتمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يستنزف وقته وانتباهه.

وفي النهاية، لا يمكن تجاهل حضور وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة الحديثة، لكن يمكن التحكم في الطريقة التي نحضر بها داخل هذا العالم الرقمي فالاستخدام الواعي لا يعني الابتعاد عن التكنولوجيا، وإنما امتلاك القدرة على استخدامها دون أن تتحول من أداة في أيدينا إلى أداة تتحكم في وقتنا ومشاعرنا وعلاقاتنا. وبين عالم رقمي يتوسع باستمرار وحياة واقعية تحتاج إلى حضورنا، يبقى التوازن هو الخيار الأكثر أمانًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z