عندما وقف الحمار ينهق وكأنه يسأل بسخرية مريرة: «هل أنا الحمار الوحيد بينكم؟»

 

 

 

 

مرتضى بن حسن بن علي

 

تُروى حكاية قديمة ساخرة، وإن اختلفت رواياتها، عن طبيب خرج في يوم شديد الحر مُتجهًا إلى قرية بعيدة لإنقاذ مريض يصارع الموت. لم تكن لديه وسيلة نقل، فاستأجر حمارًا من رجل فقير، واتفقا على الأجرة وانطلقا.

وفي منتصف الطريق، اشتدت حرارة الشمس، فنزل الطبيب وجلس في ظل الحمار ليستريح، فاعترض صاحب الحمار قائلًا: «استأجرت الحمار ولم تستأجر ظله!» وطالبه بأجرة إضافية. رفض الطبيب، فتوقف الاثنان، وتجمَّع المارة، ودخل المحامون والسياسيون والصحفيون والمثقفون على الخط، وأصبحت المدينة كلها مشغولة بسؤال واحد: لمن يعود ظل الحمار؟

تطور الخلاف إلى خصومات واعتداءات، ووسط هذا الصخب نسي الجميع الشيء الوحيد الذي خرج الطبيب من أجله: المريض. فمات المريض! وعندما هدأ الجدل وسكن الضجيج، كان الجميع قد خسروا، بينما وقف الحمار بعيدًا ينعق، وكأنَّه يسألهم بسخرية مريرة: «هل أنا الحمار الوحيد بينكم؟».

تكمن القيمة المحورية لهذه المقولة المنسوبة للحمار في كونها الصفعة الشديدة التي تُعرِّي الحماقة الجمعيّة؛ فالصفة لا تلتصق بالحيوان الذي مارس طبيعته، بل تتعداه إلى من امتلكوا العقل والهدف ثم أهدروا كلاهما في صراع وهمي. إنها استعارة ذكية تشخص آفة تفقد المجتمعات والأنظمة والأسر قدرتها على التمييز بين المهم والهامشي، وبين الهدف والوسيلة.

ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في الشأن السياسي والدولي؛ فعندما تضع الحروب والمواجهات العسكرية أوزارها- كالمواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وما يتبعها من ترتيبات أمنية وإعادة رسم للمشهد الإقليمي- تقف الدول أمام أسئلة وجودية حاسمة تتعلق بالاستقرار، وإدارة المضايق الملاحية، والتعافي الاقتصادي. وفي هذه اللحظات الفاصلة، يكمن الخطر في استنزاف الطاقات في سجالات جانبية وتصفية حسابات هامشية، وترك القضية الجوهرية المتمثلة في بناء نظام إقليمي آمن ومستدام لضمان مستقبل الأجيال.

تُكرِّر المجتمعات هذه المفارقة حين تقف أمام قضايا مصيرية؛ كإصلاح التعليم، وتطوير الاقتصاد، وتنمية الإنتاجية، وتحديث الإدارة. وفي لحظة حرجة، يُصنع آلاف «ظلال الحمير» عبر الإعلام ومنصات التواصل للتغطية على الأسئلة الصعبة التي تتطلب أرقامًا وقرارات مؤلمة، فتتراجع أولويات التنمية والمستقبل إلى الصفوف الخلفية لتنمو الأزمات الهيكلية في صمت.

إنَّ الثقافة التي تسمح للهامشي بأن يبتلع الجوهري لا تقف عند حدود الشأن العام، بل تتسرب إلى النسيج الاجتماعي؛ فالأسرة ليست معزولة عن بيئتها؛ وعندما يعتاد الأفراد على نمط المعارك الصفريّة، يُمارسون السلوك ذاته داخل بيوتهم. وفي كثير من النزاعات العائلية التي تنتهي بالطلاق، لا يكون السبب انعدام التوافق، بل تراكم سجالات حول صغائر الأمور وكبرياء جريح؛ حيث ينشغل الزوجان بـ«إثبات من المحق» (ظل الحمار)، ويغفلان عن القضية الأصلية: استقرار البيت وسكينة الحياة.

في وسط غبار المعارك العائلية والمكايدات بين الأبوين، ينسى الجميع «المريض» الحقيقي؛ حيث يُترك الأطفال ينزفون نفسيًا بين التشتت والقلق وفقدان الأمان، لتُدمر صحتهم النفسية ومستقبلهم لمجرد أن الوالدين أصرّا على الخصام حول تفاصيل لا قيمة لها.

لا تنهار الدول ولا تتفكك البيوت بالقرارات الكبرى أو الأزمات الفجائية فحسب، بل باستنزاف القدرات في آلاف المعارك الصغيرة التي تستهلك الوقت وتزرع الضغائن. وقبل أن يتكرر سؤال الحمار الساخر في واقعنا، علينا أن نتوقف عند كل معركة سياسية أو مجتمعية أو عائلية ونطرح السؤال الفاصل: «أين المريض؟»، هل نُعالج المشكلة الحقيقية ونبني المستقبل؟ أم أننا نقتتل على الظل بينما يموت الوطن وتتفكك الأسرة؟

الأكثر قراءة

z