مرتضى بن حسن بن علي
التعمين حق وطني لا جدال فيه، لكنه لن يُحقق أهدافه المستدامة إذا اقتصر على مجرد توفير الوظائف أو استيفاء النسب الرقمية المشروطة، والفلسفة الحقيقية للتعمين يجب أن تنطلق من بناء الإنسان المُنتِج القادر على المنافسة والإبداع، وتكييف سوق العمل العُماني مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وصياغة بيئة استثمارية وإنتاجية متكاملة.
أولًا: الانتقال من الشهادات المدرسية والأكاديمية إلى المهارات المتجددة (Reskilling & Upskilling)
الميدان اليوم لا يحتاج إلى شهادات أكاديمية جامدة فحسب، بل يحتاج بالقدر نفسه إلى مهارات فنية ومهنية عالية، وكفاءة في الإنجاز، وثقافة عمل تقوم على الإنتاجية والانضباط؛ فالقيمة الحقيقية للعامل ليست في مؤهله أو لقبه الوظيفي فقط، وإنما في قدرته على إضافة قيمة ملموسة إلى نفسه وإلى المؤسسة والاقتصاد.
وفي ظل التحول الرقمي ودخول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، واختفاء عدد من الوظائف وظهور وظائف جديدة، أصبحت المهارات المتبدلة والمنقولة (Transferable Skills)، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والذكاء الرقمي، والقدرة على التعلم المستمر؛ هي الضمان الوحيد لاستدامة القوى العاملة الوطنية وحصولها على رواتب معقولة تتناسب مع مستويات التضخم مع القدرة على توفير مبالغ معقولة شهريا. ولم يعد المطلوب إعداد المواطن لوظيفة واحدة يستمر فيها لعقود؛ بل إعداده ليكون مرنًا وقادرًا على شغل وظائف متغيرة تتشكل وتندثر بحسب حركة السوق ورغبات المستهلكين.
لذلك، ينبغي أن تركز سياسات التعليم وسوق العمل على إعداد جيل يمتلك المهارات الديناميكية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، ويستطيع الاعتماد على نفسه والمنافسة في بيئة عمل عابرة للحدود. كما ينبغي أن تكون الكفاءة والإنتاجية هي المعيار الأساسي للاستمرار والتطور الوظيفي، بحيث يُستبدل الموظف غير المنتج بكفاءة وطنية أخرى أكثر قدرة على العطاء والأداء، بما يرسخ ثقافة الأداء والابتكار لا ثقافة الاستحقاق أو مجرد شغل الوظائف. ومن يدير مشروعًا أو مؤسسة يدرك جيدًا أن استدامة أي نشاط اقتصادي تعتمد على وجود كوادر وطنية منتجة ومبتكرة، لا على نسب التعمين الحسابية وحدها.
ثانيًا: إعادة هيكلة سوق العمل والحد من الأنشطة الاستهلاكية الهامشية
أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني وسوق العمل هو استنزاف الموارد والخدمات في قطاع واسع من الخدمات الاستهلاكية الصغيرة والأنشطة الهامشية، مثل المحال الصغيرة المتكررة، وورش الصيانة البسيطة، ومنافذ البيع بالتجزئة ذات القيمة المضافة المحدودة. هذه الأنشطة تعتمد بشكل أساسي على كثافة عمالية وافدة غير ماهرة، ولا تقدم للناتج المحلي الإجمالي سوى عوائد ضئيلة، فضلًا عن تسببها في تسريب الأموال للخارج عبر التحويلات المالية.
وللتقليل من هذه الأنشطة وإصلاح هذا الخلل الهيكلي، ينبغي العمل وفق مسارات واضحة:
1. رفع معايير الاشتراطات والتطوير الرقمي: الانتقال نحو أتمتة الخدمات الاستهلاكية، وإلزام المؤسسات بالحلول التقنية والمدفوعات الإلكترونية، مما يقلل الحاجة إلى الأيدي العاملة التقليدية الكبيرة غير الماهرة ذات الرواتب المنخفضة.
2. دمج وإعادة تنظيم الأنشطة الصغيرة: تشجيع اندماج الكيانات الصغيرة المتشتتة لتصبح شركات أوسع نطاقًا، قادرة على تبني التكنولوجيا ورفع الإنتاجية، وبالتالي خلق وظائف نوعية تتناسب مع تطلعات المواطنين وتطلعات الوطن.
3. مراجعة سياسات استقدام العمالة: تشديد الضوابط على استقدام العمالة منخفضة المهارة في القطاعات الاستهلاكية غير الإنتاجية، وربط التراخيص بمعايير القيمة المضافة والجودة، لمكافحة التجارة المستترة وتفريغ السوق من الوظائف الهامشية.
ثالثًا: الارتقاء بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتحويلها إلى المحرك الأساسي للاقتصاد
لا يمكن معالجة الشغف بالتعمين بدون دعم حقيقي وعصري لقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ فهذا القطاع ليس مجرد حل جزئي للباحثين عن عمل، بل هو العمود الفقري للتنوع الاقتصادي والابتكار. والنهوض بهذا القطاع يتطلب الانتقال من سياسة "الرعاية والتمويل التقليدي" إلى سياسة "التمكين والنمو النوعي".
ولتمكين هذا القطاع ليكون قادرًا على احتضان الكفاءات الوطنية، يجب التركيز على:
1. توجيه الابتكار نحو القطاعات الإنتاجية: تحفيز الشباب والمستثمرين للتوجه نحو مجالات التصنيع المتقدم، والحلول التقنية، والخدمات اللوجستية، واقتصاد المعرفة، بدلًا من التنافس في المتاجر والخدمات الاستهلاكية التقليدية.
2. تسهيل الوصول إلى التمويل والأسواق: تقديم حلول تمويلية جريئة مبنية على جدوى المشروع والابتكار لا على الضمانات العينية المتعسرة، مع إعطاء الأولوية لهذه المؤسسات في المشتريات والمناقصات الحكومية والشركات الكبرى.
3. الارتقاء بالمهارات الإدارية والقيادية: تقديم برامج حاضنات ومسرعات أعمال متقدمة تصنع من رواد الأعمال العُمانيين قادة قادرين على إدارة مؤسساتهم بكفاءة، وبناء نماذج أعمال قابلة للنمو والتصدير إقليميًا ودوليًا.
رابعًا: تنويع مصادر الدخل لخلق وظائف متغيرة ومستدامة
لا يمكن معالجة ملف التعمين والتنمية بشكل معزول عن هيكل الاقتصاد الكلي؛ فالاعتماد التقليدي على القطاع الحكومي أو القطاعات الريعية يحد من القدرة التشغيلية لسوق العمل. وتحقيق رؤية اقتصادية صلبة يتطلب التوسع السريع في تنويع مصادر الدخل عبر تنمية قطاعات واعدة مثل اللوجستيات، والسياحة المستدامة، والطاقة النظيفة، والصناعة التحويلية، والاقتصاد الرقمي.
وهذا التنويع هو المحرك الأساسي لخلق مسارات وظيفية جديدة وغير تقليدية. عندما تتعدد مصادر الدخل، تتنوع طبيعة الأعمال، وتنهمر الفرص في مجالات العمل الحُر (Freelancing)، وريادة الأعمال، والشركات الناشئة، والوظائف المرنة. هذا التحول ينقل المواطن من عقلية "الباحث عن وظيفة ثابتة" إلى "صانع لفرص العمل"؛ مما يقلل الضغط على الميزانية العامة ويمنح سوق العمل مرونة عالية في استيعاب التدفقات الشابة.
خامسًا: إيجاد قطاع خاص قوي متنوع وبيئة صديقة لجذب الاستثمار
لن يكتمل نجاح سياسات التعمين دون وجود قطاع خاص قوي، محرك، ومتنوع يتجاوز دوره التقليدي القائم على عقود التوريد الحكومية إلى قيادة السوق وتصدير الخدمات والمنتجات. والقطاع الخاص القوي لا ينمو في فراغ، بل يحتاج إلى بيئة أعمال صديقة وجاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي.
وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوطين رؤوس الأموال يتطلب:
1. تبسيط الإجراءات والشفافية التشريعية: تقليل البيروقراطية وحوكمة منظومة تراخيص الأعمال عبر نافذة استثمارية موحدة وموثوقة.
2. استقرار السياسات المالية والاقتصادية: توفير بيئة استثمارية آمنة ومحفزة تضمن للمستثمر المحلي والأجنبي وضوح الرؤية واستدامة الأرباح.
3. تشريعات عمل مرنة ومتوازنة: توازن بين حماية حقوق العامل الوطني وبين منح المستثمر المرونة الكافية لإدارة موارده البشرية وفقًا لمعايير الكفاءة والجدوى الاقتصادية المنافسة.
وعندما يجد المستثمر الأجنبي بيئة مشجعة، وبنية تحتية متطورة، وكوادر وطنية مؤهلة تتمتع بمهارات عالية وإنتاجية منافسة، سينجذب الاستثمار تلقائيًا. وحينها، لن تكون قرارات التعمين فرضًا إداريًا يشكل عبئًا على الشركات، بل ستصبح الكفاءة الوطنية هي الخيار الاستثماري الأفضل والأكثر جدوى للمؤسسات.
سادسًا: التكامل المؤسسي لبناء المنظومة
إن بناء جيل يمتلك أعلى معايير الكفاءة المهنية والإنتاجية يتطلب شراكة حقيقية ومتكاملة بين وزارة التعليم، وهيئة البحث العلمي والابتكار، ووزارة العمل، وبنك التنمية، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالتعاون الوثيق مع مؤسسات القطاع الخاص وغرفة تجارة وصناعة عُمان. ويجب أن تنطلق هذه الأطراف كافة من مرجعية واحدة وهي: احتياجات الاقتصاد الوطني ومستهدفاته المستقبلية.
التعليم يزود السوق بالمهارات والقدرات الأساسية، والعمل يوجه الطلب ويُنظّم السوق، والمؤسسات الصغيرة ومؤسسات القطاع الخاص تستوعب وتبتكر، بينما يحدد الاقتصاد الاتجاه العام والمستهدفات. أما إذا استمرت كل جهة في العمل بمعزل عن الأخرى، فلن يتغير الواقع كثيرًا، مهما كثرت القرارات أو اشتدت الضغوط الرقابية على الشركات.
وأخيرًا.. إنَّ نجاح التعمين في مرحلته المقبلة لا يُقاس بعدد الوظائف الساكنة التي تُخلق في المدى القريب؛ بل بقدرة المواطن على إنتاج قيمة مضافة تجعله الخيار الأول والأنسب في سوق عمل متطور، وفي ظل اقتصاد متنوع تحركه مؤسسات صغيرة ومتوسطة مبتكرة، وقطاع خاص قوي، وبيئة استثمارية حيوية تجذب رؤوس الأموال وتصنع المستقبل.
