◄ دراسة مقارنة لتجارب توطين الوظائف الناجحة إقليميًا ودوليًا: الدروس والاستراتيجيات
مرتضى بن حسن بن علي
تُشكِّل قضية توطين الوظائف وإدارة أسواق العمل إحدى أعقد التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدول الساعية لبناء اقتصاد مستدام وقائم على المعرفة. وعلى مر العقود، أثبتت الممارسات العملية أن السياسات القائمة على فرض المحاصصة العددية والإحلال القسري المباشر غالبًا ما تؤدي إلى تشوهات هيكلية في سوق العمل، كضعف الإنتاجية، وارتفاع الكلفة التشغيلية، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي المقابل، نجحت دول عديدة في التحول نحو التوطين الكيفي والنوعي عبر بناء المنظومات المهارية، ورفع التنافسية، وحوكمة سوق العمل، وهو ما يتضح جليًا عند تفكيك التجارب الدولية والإقليمية البارزة لاستخراج الدروس المستفادة منها.
وتُعد التجربة السنغافورية نموذجًا رائعًا في كيفية التوفيق بين الانفتاح على العمالة الماهرة العالمية وبين تمكين المواطن للظفر بالصدارة في سوق العمل. لم تعتمد سنغافورة على الحماية المباشرة المفرطة للعمالة الوطنية، بل اعتمدت مبدأ التوطين عبر الجدارات والإنتاجية من خلال إطلاق المبادرة الوطنية المتمثلة في برنامج (Skills Future)، والذي يضمن منح كل مواطن بلغ سن الخامسة والعشرين رصيدًا ماليًا مخصصًا للتدريب وتطوير المهارات مدى الحياة. وتتولى الدولة تحديث المناهج بانتظام لتتلاءم مع وظائف المستقبل في الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والاقتصاد الأخضر، مما يضمن احتفاظ الكفاءات الوطنية بقيمتها السوقية. وإلى جانب ذلك، فرضت الدولة رسومًا مالية تصاعدية على المؤسسات التي تعتمد بكثافة على الوافدين مع ربط قيمة الرسم بمستوى مهارة العامل، مما جعل استقدام العمالة غير الماهرة مكلفًا ماليًا وحفز الشركات على الاستثمار في الميكنة، في حين أُعيد توجيه عوائد تلك الرسوم مباشرة لصالح صندوق تدريب المواطنين.
وفي القارة الأوروبية، استطاعت النرويج صياغة تجربة فريدة في ربط التوطين بالتنوع الاقتصادي وإدارة الوفرة النفطية، متجنبةً الآثار السلبية لـ"المرض الهولندي" الذي يطال الأسواق النامية عند تدفق الثروات الطبيعية. فقد قامت النرويج بإنشاء الصندوق السيادي للتقاعد ليعمل كعازل يحمي الاقتصاد المحلي من التضخم المفرط، ويمنع ارتفاع الأجور بشكل يفصلها عن مستوى الإنتاجية الحقيقية، مما حافظ على تنافسية العمالة الوطنية في القطاعات غير النفطية. كما وجهت الحكومة استثمارات ضخمة لتطوير قطاعات رديفة قائمة على المعرفة مثل تقنيات الطاقة البحرية والخدمات اللوجستية واقتصاد الصيد المستدام، مما خلق وظائف عالية القيمة للكوادر الوطنية وحماها من التقلبات الدورية لأسواق الطاقة.
وعلى المستوى الإقليمي، شهدت دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا فارقًا من مفهوم التوطين الكمي إلى التوطين النوعي والمستدام. وتمثلت هذه الخطوة في التركيز على استهداف القطاعات ذات القيمة المضافة العالية؛ كالإعلام والقطاع المالي والاتصالات والمهن الهندسية والطبية، وتحديد نسب توطين في المهن القيادية بدلًا من التركيز على المهن التشغيلية المنخفضة الأجر. ورافق ذلك معالجة حقيقية لفجوة المزايا بين القطاعين العام والخاص عبر تطبيق برامج حافزة لدعم أجور المواطنين لفترات زمنية محددة، وتوحيد نظام المنافع الاجتماعية وإجازات أسبوع العمل، فضلًا عن الربط المباشر بين مؤسسات التعليم العالي واحتياجات الشركات من خلال برامج التدريب المقرون بالتشغيل.
وإسقاط هذه التجارب على الواقع العُماني في ظل التوجهات الوطنية لرؤية "عُمان 2040"، يُقدِّم خريطة طريق متكاملة لتعزيز ملف التشغيل والتوطين. ويبدأ ذلك من التحول نحو رأس المال البشري عبر الانتقال من فرض سياسات الشغل القسري للمهن إلى إنشاء منظومة وطنية لقياس المهارات وإعادة التأهيل المستمر للعمالة الوطنية بالتعاون مع القطاع الخاص. كما يتطلب الأمر موازنة التكلفة والإنتاجية من خلال إعادة صياغة رسوم الخدمات والتراخيص للعمالة الوافدة بطريقة تشجع المؤسسات على الابتكار والتحول الرقمي وتُقلل الفجوة المالية بين الموظف العُماني والوافد.
إضافة إلى ذلك، ينبغي توجيه سياسات التوطين نحو القطاعات واعدة النمو مثل الهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والتعدين والسياحة لضمان استيعاب المخرجات الوطنية في وظائف مستقبلية مستدامة، مع الحرص على بناء منظومة تشريعية متدرجة وتتسم بالمرونة العالية لتسمح بنمو مؤسسات القطاع الخاص دون أعباء مفاجئة. وتؤكد هذه المعطيات بمجملها أن التوطين الناجح ليس مجرد معادلة تنظيمية أو قانون يصدر؛ بل هو عملية اقتصادية متكاملة تتطلب رفع جودة المخرجات الوطنية، وخلق بيئة عمل تنافسية تتساوى فيها الفرص بناءً على الكفاءة والإنتاجية.
