لا تنسوا فلسطين.. المواقف الصادقة لا تتراجع

 

 

 

 

هل ما زلنا نقاطع أم أن الأحداث أنستنا فلسطين؟

 

د. سالم بن محمد عمر العجيلي

سؤال لا يحمل لومًا، بقدر ما يدعو إلى مراجعة الذات، في وقتٍ لا تزال فيه معاناة الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتهم الأطفال والأسر، تتجسد في مشاهدٍ تذكّر العالم بأن هذه المأساة لم تنتهِ بعد. فالقضايا العادلة لا يطويها مرور الأيام، ولا تنتهي بانتهاء تداولها في وسائل الإعلام، بل تبقى حيةً ما بقيت أسبابها قائمة.

فخلف كل صورة تصلنا من فلسطين طفلٌ ينتظر أن يعيش طفولته في أمان، وأمٌّ يثقل قلبها القلق على أبنائها، وأسرةٌ تكافح من أجل البقاء وسط ظروفٍ إنسانية بالغة القسوة. وهي مشاهد تدعونا إلى ألا نسمح للألم بأن يتحول إلى خبرٍ عابر، أو أن تضعف مكانة القضية في وجداننا مع مرور الأيام.

لقد أرشد الإسلام إلى ترسيخ قيم الرحمة والتكافل والوقوف إلى جانب المظلوم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره». وهي معانٍ تؤكد أن الإيمان بالقيم لا يكتمل بالكلمات، وإنما يترجم إلى مواقف وسلوك.

وعلى هذا النهج، عُرف المجتمع العُماني، عبر تاريخه، بمواقفه الإنسانية الأصيلة، المستمدة من تعاليم الإسلام وقيمه السمحة، وفي مقدمتها نصرة المظلوم وإغاثة المحتاج. كما أكد سماحة مفتي عام سلطنة عُمان، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، في مناسبات عدة، أهمية مساندة الشعب الفلسطيني بكل الوسائل المشروعة، انطلاقًا من الواجب الديني والإنساني.

وعندما تتحول القيم إلى سلوك، يصبح لكل فردٍ دورٌ يستطيع أن يؤديه وفق ما يراه مشروعًا ومؤثرًا. ومن صور التضامن التي يتبناها كثير من الناس، تأتي المقاطعة الاقتصادية باعتبارها، بالنسبة لمؤيديها، وسيلةً سلميةً للتعبير عن موقفٍ أخلاقي وإنساني، انطلاقًا من قناعةٍ بأن خيارات المستهلك اليومية قد تحمل رسالةً تتجاوز حدود الشراء والاستهلاك. وقد أظهرت تجارب سابقة أن حملات المقاطعة المنظمة أسهمت في بعض الحالات في لفت الانتباه إلى القضية، ودفع بعض الشركات إلى مراجعة سياساتها أو مواقفها.

ومع امتداد الأزمة، يبدو أن الزخم الذي صاحب المقاطعة في بداياتها قد خف لدى بعض المستهلكين، رغم أن الدوافع الإنسانية التي انطلقت من أجلها لا تزال قائمة. وهذه دعوةٌ لمراجعة الذات، لا من باب اللوم، وإنما للتأكيد على أن المبادئ تكتسب قيمتها بالثبات والاستمرار، لا بارتباطها بزخم الأحداث أو بتراجع الاهتمام بها.

إن فلسطين ليست قضية موسم، ولا موقف يرتبط بحدثٍ عابر، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية تذكّرنا بأن الوقوف إلى جانب المتضررين هو تعبيرٌ عن القيم التي نؤمن بها. وقد لا يملك الفرد تغيير مجرى الأحداث، لكنه يملك أن يحافظ على إنسانيته، وأن يجعل من مواقفه اليومية ترجمةً لما يؤمن به من عدلٍ ورحمة.

ولتبقَ فلسطين حاضرةً في وعينا ووجداننا، ولتبقَ مواقفنا ثابتةً، شاهدةً على أن القيم الصادقة لا تتراجع؛ فالقضايا العادلة لا يحفظها تعاطفٌ عابر، وإنما تحفظها ضمائرٌ يقظة، ووفاءٌ للمبادئ، وتجسيدٌ لقيم العدالة والرحمة، وإيمانٌ راسخٌ بأن نصرة المظلوم لا تخفت بتعاقب الأحداث، ولا تضعف بمرور الأيام.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z