خالد بن محمد بن حارب الجابري
تظل محافظة ظفار في موسم الخريف واحدة من أجمل النعم التي حبا الله بها سلطنة عُمان؛ طبيعة خضراء، وجبال تلامس السحب، وأجواء استثنائية جعلت منها متنفسًا لأبناء عُمان والمقيمين فيها، ووجهة سياحية محببة لأشقائنا من دول الخليج وللزوار من مختلف الدول. ومع هذا الإقبال الكبير، تصبح المحافظة على جمال ظفار واحترام أنظمتها مسؤولية مشتركة لا تقل أهمية عن الاستمتاع بها.
وخلال زيارتي لمحافظة ظفار خلال هذه الأيام، استوقفتني بعض التصرفات والممارسات التي تستحق الوقوف عندها، ليس انتقاصًا من السياح أو من فرحتهم بالخريف، فنحن في عُمان نعتز بالضيف ونرحب به، وإنما حرصًا على سلامة الجميع وعلى هذه المحافظة الجميلة التي تستحق منا جميعًا الاحترام والتقدير.
والمؤسف أن بعض المشاهد توحي وكأن التواجد في ظفار والتمتع بالخريف لا يتأتى إلا بممارسة مخالفات قد لا يكاد يقترفها البعض في أماكن أخرى، وسأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر.
ففي الطرق المزدحمة نشاهد بعض المركبات تتجاوز من جهة اليمين وبعد الخط الأصفر لتخطي طوابير السيارات، بينما ينتظر الآخرون ملتزمين بمساراتهم. كما يلفت الانتباه أن عددًا من مستخدمي الطريق لا يستخدمون إشارة الانعطاف عند تغيير المسار أو الانعطاف، الأمر الذي يسبب الإرباك والتأخير ويؤثر في انسيابية الحركة المرورية، ويستدعي مزيدًا من التوعية والرقابة وتطبيق الأنظمة على الجميع.
ومن الظواهر الغريبة التي لفتت انتباهي كذلك وقوف بعض المركبات خلال الفترة المسائية داخل الشوارع في الأحياء السكنية، وتحويل أجزاء من الطريق إلى أماكن للوقوف والتجمع، دون مراعاة لخصوصية الأهالي أو حق عابري الطريق في استخدام الشارع بأمان وراحة، مع أن أماكن مناسبة لوقوف المركبات متوفرة بالقرب من تلك المواقع. ولا يوجد ما يبرر ترك المواقف المتاحة والوقوف داخل الطرق والأحياء بما يسبب الإزعاج ويعيق الحركة ويؤثر في راحة السكان وخصوصيتهم؛ فالسياحة لا تعني أن يتحول كل مكان إلى موقف أو موقع للتجمع، ومن أبسط صور احترام المكان وأهله استخدام المواقف المتاحة وترك الشوارع للعابرين وسكان المنطقة.
كما نرى بعض المركبات تدخل إلى المساحات الخضراء في الجبال والسهول وتدهس البساط الأخضر الذي ينتظر الجميع ظهوره عامًا كاملًا. هذه المساحات ليست مواقف للسيارات ولا طرقًا مختصرة، والمحافظة عليها مسؤولية كل من يأتي للاستمتاع بها.
ومن أكثر المشاهد خطورة إخراج الأطفال برؤوسهم وأجسادهم من النوافذ والفتحات العلوية للمركبات أثناء سيرها، بل إننا نرى أحيانًا من يضع طفلًا على حجره أثناء قيادة السيارة. قد يراه البعض مظهرًا من مظاهر فرحة الأطفال بالخريف، لكنه في الحقيقة تصرف شديد الخطورة، وقد يكون التوقف المفاجئ أو حادث بسيط كافيًا لتحويل لحظات الفرح إلى مأساة.
ومن الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها أيضًا ترك المخلفات في المواقع السياحية والأماكن العامة، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها بلدية ظفار ووجود عمال النظافة في مختلف المواقع السياحية. ولو التزم كل زائر بوضع مخلفاته في الحاويات والأماكن المخصصة لها، لخف العبء على هؤلاء العمال، ولأمكن الاستفادة من هذه الجهود والعمالة في أعمال وخدمات أخرى تحتاجها المحافظة خلال الموسم.
وقد قامت بلدية ظفار كذلك بتهيئة العديد من المواقع وفرشها بالرمال الصخرية، خاصة في سهل أتين وقرب العيون والمواقع السياحية، حتى يجد السائح أماكن نظيفة ومهيأة للجلوس والاستمتاع بالطبيعة. لكن من المؤسف أن تتحول بعض هذه المواقع بعد استخدامها للشواء إلى بقايا فحم ورماد ومخلفات تشوه المكان. ومن يستخدم هذه المواقع عليه أن يتحمل مسؤولية تنظيف مكانه وجمع مخلفاته والتخلص منها بالطريقة الآمنة والمخصصة، بما فيها الفحم والرماد بعد التأكد من إخمادهما تمامًا، بدل تركها لمن يأتي بعده. فالمكان العام ملك للجميع، ومن حق الزائر التالي أن يجده نظيفًا كما وجده من سبقه.
وهنا يأتي دور الجهات المعنية في الجمع بين كرم الضيافة وحزم النظام. فالترحيب بالسائح لا يعني التغاضي عن المخالفات، وتطبيق القانون لا ينتقص من حسن استقبال الضيف. الأنظمة وضعت لحماية المواطن والمقيم والزائر، ويجب أن يشعر الجميع بأنها تطبق بالقدر نفسه على الجميع.
وفي الوقت نفسه فإن المسؤولية لا تقع على الزائر وحده؛ فنحن المواطنين والمقيمين مطالبون بأن نكون أول من يحترم النظام ويحافظ على البيئة، لأننا لا نستطيع أن نطالب ضيفنا بسلوك لا نلتزم نحن به.
وقد لاحظت أن الخريف هذا العام يبدو أقل كثافة في بعض المواقع مقارنة بما عهدناه في سنوات سابقة، وهي أمور ترتبط بعوامل طبيعية ومناخية، لكنها تدعونا إلى التأمل في قيمة هذه النعمة وحاجتنا إلى شكر الله عليها والمحافظة عليها.
يقول الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وشكر النعمة لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بصونها وعدم الإفساد فيها. فظفار ليست موسمًا سياحيًا نأتي إليه ونغادره فحسب، بل ثروة وطنية وطبيعية ومتنفس للجميع، ومن حق الأجيال القادمة أن تستمتع بجمالها كما نستمتع به اليوم.
إنَّنا نرحب بكل زائر لظفار، ونتمنى له أجمل الأوقات بين جبالها وسهولها وعيونها، لكن يبقى الاحترام أساس السياحة الناجحة: احترام الطريق، واحترام النظام، واحترام خصوصية السكان، واحترام البيئة، واحترام حق الآخرين في الاستمتاع بالمكان؛ فالسائح الحقيقي لا يُقاس بما استمتع به من جمال المكان، وإنما بما تركه خلفه من احترام له.
أهلًا وسهلًا بالجميع في ظفار.. استمتعوا بخريفها، واحترموا أنظمتها وخصوصية أهلها، وحافظوا على خضرتها ونظافتها؛ فظفار نعمة، وشكر النعمة أن نصونها.
