صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
مجلس "عين الطائر" هو ملتقى ثقافي يضُم نخبة من الكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد، ويأتي ضمن مشروع ثقافي متكامل يتناول فن السرد القصصي في عُمان، بتنظيم من النادي الثقافي، ولا يزال البرنامج مستمرًا عبر جلسات متوالية، بناءً على خطة النادي وتوزيع فعالياته الثقافية.
ويهدف الملتقى الى مناقشة السرد القصصي وقراءته من منظور شامل، وتتبع تطورات اللغة ومساراتها الفنية وبنيتها ودلالاتها، وإثراء الحوار حول الأدب والفكر. إلى جانب رصد تحولات المجتمع وتغيراته عبر مراحل زمنية مختلفة، والتعمق في تفاصيل ظواهره وأحداثه من خلال ما تم توثيقه من تجارب إنسانية ومواقف مجتمعية عبر السرد القصصي، والذي يعد أحد سجلات الذاكرة الوطنية ومخزونها المعرفي المحفوظ لوقائع المجتمع وأحواله.
وسرَّني أن أكون أحد الكُتَّاب والأدباء الذين اختارهم النادي الثقافي للمشاركة في الجلسة الرابعة، ومن ضمنهم الزملاء: الدكتور محمود بن محمد الرحبي، والدكتورة طيبة بنت عبدالله الكندية، والأستاذ عبدالله بن سالم بني عرابة، فيما أدار الجلسة الدكتور عوض بن محمد اللويهي، والذي قدم أيضًا قراءات نقدية مختصرة عن المجموعات القصصية للمشاركين والتعريف بهم وبمنجزهم الثقافي، وطرح الأسئلة عليهم، وحرص على إتاحة المجال للحضور لإبداء مداخلاتهم واستفساراتهم حول ما تم تداوله.
وقد قرأت بدوري نصًا قصصيًا ضمن النصوص الأدبية التي قُدِّمَت في اللقاء بمجلس "عين الطائر"، والذي كان منعقدًا وفق جدوله الزمني المحدد بقاعة الفعاليات بالنادي الثقافي، وهو من مجموعتي القصصية "المشي إلى مدار المطر"، والصادرة عن مركز الحضارة العربية بجمهورية مصر العربية.
وإذا لم يستوعب القارئ الفطن المفهوم العام لهذا النص القصصي من خلال تسلسل مجرياته، فسيدركه في ختامه، وهو بعنوان "دعوة حضور"، وأقدِّمُه لكم متكاملًا في السطور القادمة كالتالي:
"نحن الثلاثة ولدنا في المكان نفسه، وعشنا وكبرنا معًا، نذهب ونأتي معًا، ولكن إذا دعينا إلى مناسبة، ذهب كل منَّا منفردًا.
أولًا: الكاتب:
عادة ما يذهب بدعوة وأحيانًا بدون دعوة، من خلال إعلان عام عن المناسبة. ثم يرتمي على أقرب كرسي يجده أمامه في القاعة، أو يتقدم قليلًا، ليحظى بوضوح الرؤية وحسن الإنصات، يدفعه حب الاطلاع والمعرفة، والرغبة في الاستفادة مما يُقدَّم من دراسات وبحوث ومعلومات وأطروحات فكرية مختلفة.
لديه اهتمام بالثقافة بوصفها طريقًا يحقق للإنسان إنسانيته الراقية، بعيدًا عن شوائب الماديات الدنيوية والصراعات البشرية، والمتع الرخيصة تُغريه الفكرة لاصطيادها، فتظل ترفرف حوله، عصية أحيانا ممتنعة، وأحيانا تسلم نفسها له طواعية ليكتبها. مؤمن بأنَّ عليه واجبات حياتية كمثقف، لا ينتظر مكسبًا ماديًا أو معنويًا، ولا إطراء من أحد، فيقول كلمته، ويفصح عن رأيه، لعله يترك أثرًا في المتلقي ولو قليلًا، ولديه- كمثقف- إمكانيات فكرية مفيدة، وبحاجة إلى مزيد من الاهتمام ليؤدي دوره كما يجب.
ثانيًا: المدير:
تأتيه بطاقة الدعوة معنونة باسمه ووظيفته، يحدد الوقت ويضبط المواعيد، ويذهب إلى المناسبة قبل الموعد بنصف ساعة، ينتظر خارج القاعة، ينظر إلى القادمين، ويُسلِّم على المديرين والوكلاء، بابتسامة عريضة تعلو محياه. يدخل القاعة ويجلس في الصف الثالث أو الرابع، ولا يتقدم أكثر حتى لا يساء فهمه بأنه يزاحم من هم أسبق منه مقامًا، أو أكبر منه درجة وظيفية، يحسب لكل شيء حسابه، وهو حريص على الابتعاد عن الأحقاد أو إثارة الضغائن والبغضاء.
يعمل بصبر وإخلاص، مرن في تقبل التوجيه والإرشاد من مسؤوليه، ملتزم بالأنظمة والقوانين، ولديه قدرة على المبادرة والابتكار واتخاذ القرارات، وتحمل المسؤولية، وإمكانياته الحالية بدراسته العليا وخبراته، تؤهله لتحمل مسؤوليات أعلى.
ثالثًا: صاحب الجاه:
بعض الناس يحظون بالاحترام والاهتمام أكثر بحكم مكانتهم الاجتماعية، فعلى الرغم من أنه لا يشغل منصبا حكومياً كصديقه المدير، وليس مثقفا بارزا كصديقه الكاتب، إلّا أنه من أعيان البلاد له احترامه وتقديره ومكانته بين الناس.
تأتيه بطاقة الدعوة، فيذهب مُلبيًا، ويُستَقبَل بحفاوة وترحيب، ويريد أن يجلس حيث يتأتى له، فلا يدعه الآخرون، ويقدمونه إلى الصفوف الأمامية، تلقائي في تعامله، يحب الخير للجميع، متفائل ومتواضع في حياته، ويعامل الآخرين وكأنهم إخوة له، وهو عضو فاعل في المجتمع، ويعتقد بأن صديقه الكاتب بثقافته وإدراكه للأمور، وصديقه المدير بدراسته وخبرته الإدارية وتجربته العملية، وهو بتأثيراته المعنوية الإيجابية يستطيعون أن يكونوا فريقًا فاعلًا معتمدًا، قادرًا على العمل بكفاءة وإتقان وإنجاز المهام والمسؤوليات بفاعلية ونجاح، إذا اجتمعوا معًا لهدف واحد.
وفي ذات يوم صحو اكتمل ضحاه، جاءتهم معًا بطاقة دعوة لحضور مناسبة مُهمة، وكعادتهم ذهبوا منفردين.
جاء صاحب الجاه، فقدموه إلى الصف الأمامي، ثم جاء المدير فأفسحوا له مكانًا في المقدمة بناء على طلب صديقه ليجلس بجواره بموافقة المُنظِّمين. ثم أتى الكاتب بهدوئه المعتاد، ينظر حوله أين يجلس، فرأى صديقيه يلوحان إليه ليجلس بجانبهما، فتردد أولًا، ثم ما لبث أن تقدم وجلس معهما.
ولأول مرة جلسوا جميعًا في صف واحد، في مكان واحد، في مناسبة واحدة.
وبنظرات متطلعة توجهت أبصارهم نحو خشبة المسرح، ولم يعرفوا في ذلك اليوم، لماذا شعروا، عند إعطاء إشارة البدء، بأنهم شخص واحد".
