حمود بن علي الطوقي
منذ تولّي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في يناير 2020، وأنا أتابع الزيارات السامية وأكتب عن أبعادها، وأرى في محطاتها توجّهًا واضحًا لتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وتوظيف مكانة عُمان وعلاقاتها المتوازنة في بناء شراكات تستقطب الاستثمار، وتفتح الأسواق، وتدعم التنويع الاقتصادي.
وقد جاء اجتماع مجلس الوزراء الموقر برئاسة جلالته بقصر الحصن العامر بصلالة في الثاني والعشرين من سبتمبر 2026 ليؤكد مسؤولية الانتقال بهذه الشراكات إلى التنفيذ؛ إذ وجّه جلالته الجهات المعنية بتعظيم الاستفادة من الاتفاقيات والتفاهمات الموقّعة خلال الزيارات السامية، وتحقيق أهدافها بما يسهم في نمو الاقتصاد الوطني وتنمية الصادرات وزيادة الناتج المحلي.
وعند قراءة أبرز محطات هذه الزيارات، تتضح سعة المصالح التي تعمل عُمان على تنميتها. ففي السعودية عام 2021، برز التوجّه لتسريع التعاون الاقتصادي والاستثماري وربطه بمستهدفات رؤيتي البلدين. وفي قطر، شهدت زيارة جلالته في العام نفسه توقيع ست اتفاقيات تعاون، فيما أثمرت زيارة البحرين عام 2022 عشر مذكرات تفاهم وسبعة برامج تنفيذية واتفاقيات، بما عزّز الأطر المؤسسية للتعاون الخليجي.
وخلال عام 2023، امتدت الزيارات إلى مصر وإيران وسنغافورة والهند، حاملةً فرصًا للتعاون الاقتصادي والاستثماري. ومن أبرز نتائجها الإعلان، خلال زيارة الهند، عن الصندوق العُماني الهندي المشترك الثالث بحجم 300 مليون دولار أمريكي؛ وهو نموذج لأداة استثمارية محددة تنقل التعاون إلى مشروعات وقطاعات واعدة.
أما زيارة الإمارات العربية المتحدة في أبريل 2024، فقد شهدت الإعلان عن حزمة اتفاقيات وشراكات استثمارية بنحو 129 مليار درهم إماراتي، تعادل قرابة 35 مليار دولار أمريكي، شملت الطاقة المتجددة والمعادن الخضراء والربط السككي والتقنية. وضمن هذه الحزمة أُعلن عن مشروع صناعي وطاقة بقيمة 117 مليار درهم، واتفاق للربط السككي بقيمة 11 مليار درهم، وصندوق تقني بقيمة 660 مليون درهم. وهذه المبالغ مكونات للحزمة المعلنة، وليست إضافات تُجمع فوق إجماليها.
وتواصل المسار في الكويت والأردن خلال عام 2024، عبر مذكرات للتعاون والاستثمار المشترك، ثم في تركيا بتوقيع عشر اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وفي بلجيكا بتعزيز التعاون في الموانئ والهيدروجين الأخضر. وجاءت زيارة هولندا في أبريل 2025 لتدعم هذا التوجّه باتفاقيات للطاقة، من بينها تطوير ممر لتصدير الهيدروجين المسال يربط عُمان بهولندا وألمانيا؛ بما يعكس أهمية وصل الإنتاج المحلي بالأسواق العالمية.
وفي روسيا عام 2025، شهدت الزيارة السامية توقيع اتفاقية وبروتوكول وتسع مذكرات تفاهم، فيما حملت زيارة الجزائر اتفاقًا مبدئيًا لإنشاء صندوق استثماري مشترك، إلى جانب مذكرات وبرامج تعاون. كما أضافت زيارتا بيلاروس وإسبانيا اتفاقيات جديدة، قبل أن تشهد الزيارة الرسمية إلى فرنسا في يونيو 2026 توقيع اثنتي عشرة وثيقة للتعاون، شملت الطاقة والمياه والنقل والاستثمار والصحة، ومن بينها عقد المرحلة الأولى لمحطة الكامل والوافي للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميجاواط.
وتأتي زيارتا بوتسوانا وأنجولا في سبتمبر 2026 لتوسّعا الحضور الاقتصادي العُماني في أفريقيا. ففي بوتسوانا، شملت الحصيلة تسع اتفاقيات ووثائق تعاون، بينها تطوير فرص تعدين النحاس والذهب. وفي أنجولا، تجاوزت القيمة الإجمالية للاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقّعة مليارًا وخمسمائة مليون دولار أمريكي، وفق ما أوضحه جلالته في كلمته خلال الزيارة، مع فرص للتعاون في الطاقة والتعدين والزراعة والنقل والخدمات.
هذه الأرقام تكشف حجم الطموح الاقتصادي المصاحب للزيارات السامية، مع ضرورة التأكيد أنها قيم معلنة لاتفاقيات وصناديق ومشروعات تختلف في طبيعتها ومراحلها، ولا تعني أن جميع مبالغها قد استُثمرت بالفعل. ومن هنا تبرز أهمية التوجيه السامي بالمتابعة؛ فالقيمة التنموية تتحقق حين تتحول التفاهمات إلى تمويل وتنفيذ وإنتاج وفرص عمل.
وفي هذا السياق، تستحق جهود جهاز الاستثمار العُماني الإشادة، لما يقوم به من بناء شراكات مع مؤسسات استثمارية دولية، وتطوير أدوات تمويل مشتركة، وتوسيع حضور الشركات العُمانية. وتبرز الصناديق والشراكات مع الهند والجزائر ودول الخليج أمثلة على هذا الدور، الذي نتطلع إلى تعظيم أثره في جذب الاستثمارات النوعية ونقل المعرفة وتنمية المؤسسات الوطنية.
وأرى أن المرحلة المقبلة تستدعي تكامل هذه الجهود مع الترويج لموانئ صحار والدقم وصلالة والمناطق الاقتصادية والحرة، واستثمار ما توفره من فرص لإقامة الصناعات والخدمات اللوجستية ومشروعات التصدير. فالمستثمر يحتاج إلى فرصة واضحة وإجراءات ميسّرة، والمؤسسات العُمانية تحتاج إلى موقع فاعل في سلاسل التوريد والخدمات التي تنشأ حول المشروعات الجديدة.
وقد عزّز مجلس الوزراء هذا المسار بالتوجّه إلى إعداد خطة طويلة المدى لتنمية الميزان التجاري غير النفطي، تستفيد من الإنتاج المحلي والموانئ والبنية الأساسية والاتفاقيات الدولية، إلى جانب إقرار برنامج وطني لتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار، يبدأ في عام 2027.
ومن موقعي الصحفي، فإنني أتطلع لرؤية هذه الاتفاقيات واقعًا نتابع تقدّمه ونكتب عن ثماره: مصنعًا يدخل الإنتاج، واستثمارًا ينقل التقنية، ومنتجًا عُمانيًا يصل إلى سوق جديدة، وفرصة عمل تفتح مستقبلًا لشاب عُماني. لقد فتحت الزيارات السامية أبوابًا واسعة، وجاءت توجيهات جلالته من صلالة لتضع أمام الجميع مسؤولية تحويلها إلى إنجاز يلمسه الوطن والمواطن.
