فوزي عمار
في زوايا التاريخ الإسلامي، تقف ثلاثة أسماء كجبال شامخة: الشافعي، وابن تيمية، وسيد قطب. ثلاثة جَدَّدُوا، وثلاثة دفعوا ثمنًا باهظًا. لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا: هل كان الثمن حتميًا؟ وهل كان التجديد بحاجة حقًا إلى ركوب ظهر السياسة؟
قبل الشافعي، كان الفقه يتنفَّس. مالك يفتي بأهل المدينة، وأبو حنيفة يفتي بالرأي، وكانت المذاهب تتعدد بتعدد البقاع.
ثم جاء الشافعي ليضع حدًا لهذه "الفوضى"، كما يراها البعض. أصولٌ أربعةٌ فقط، وأغلق باب الاجتهاد عمليًا. صفَّق العباسيون؛ فالدولة المركزية تحتاج إلى قانون مُوحد. وهنا تكمن المفارقة ما كان يمكن أن يبقى أداة حياة، تحوَّل إلى أداة سلطة. ومن يومها صار القاضي موظفًا، لا عالمًا. لكن هناك من يرى في هذا إنقاذًا للأمة من التشتت، فلو لم تكن الرسالة لَكانَ اليوم عندنا خمسون إسلامًا بعدد الدول. الشافعي لم يخدم السلطة، كما يقول هؤلاء، بل أجبر السلطة أن تحتكم للشرع فاستعملت السلطة الشرع.
أما ابن تيمية، فكان عالمًا جبلًا، لكنه أدخل السياسة في العقيدة. ربط التوحيد بالحكم، وقال: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر. كانت الفتوى ردًا على المغول، منطقية في سياقها التاريخي، لكنها تحولت بعد سبعمائة سنة إلى سلاح بيد جماعات مسلحة كفَّرت الدول المسلمة. فتحول تجديد التوحيد إلى تكفير الأمة. مات ابن تيمية في السجن مظلومًا، لكن فكره سُجِنَ في يد المتطرفين. ومع ذلك، يرى آخرون أنه أعاد للتوحيد هيبته، ففي زمن كان الحكام المغول يقولون نحن مسلمون ويحكمون بقانون جنكيز خان، وقف ابن تيمية ليكسر حاجز الخوف، وقال: "لا إله" تعني لا تشريع إلا لله. هو لم يُكفِّر الناس، بل كفَّر التحاكم لغير الله عند المغول. وهذا فرق كبير. وكان عدوه المغول.
ثالثهم سيد قطب، صاحب التصوير الفني الذي كان يمكن أن يبقى في الأدب. لكن قطب نقل مشروعه إلى السياسة في كتابه "معالم في الطريق" وقال: المجتمع جاهلي، والحل ليس وعظًا، بل طليعة تُغيِّر النظام. ردَّت الدولة بالسجن والإعدام. والنتيجة أن أحدًا اليوم لا يقرأ قطب من أجل التصوير؛ بل من أجل الحاكمية.
قتلنا العبقري الأدبي، وتركنا السياسي الثوري. لكن هناك من يقول إن قطبًا لم يُسَيِّسِ الدين، بل كشف أن الدين مُسَيَّسٌ أصلًا؛ فالقرآن نزل في مكة لتغيير نظام، وفي المدينة لبناء دولة. السؤال ليس: لماذا دخل السياسة؟ السؤال: كيف أخرجه أعداؤه من السياسة وحبسوه في المسجد؟
الحقيقة أن مشكلة هؤلاء الثلاثة ليست في علمهم، بل في اعتقادهم أن إصلاح الدين يمر عبر إمساك السلطة. الشافعي أراد توحيد القضاء، فصار قاضيًا للسلطان. ابن تيمية أراد إصلاح الحاكم، فصار سلاحًا ضد الحاكم. وقطب أراد تغيير المجتمع، فصار شهيدًا للصراع مع الدولة.
التجديد الذي يركب ظهر السياسة ينتهي إما موظفًا، أو سجينًا، أو شهيدًا، وفي كل الأحوال يخسر العلم.
لكن هل كان بإمكانهم غير ذلك؟ هل يمكن للدين أن يبقى بمعزل عن السياسة في مجتمع إسلامي يرى في الدين مصدر التشريع الأعلى؟ ربما كان السؤال الخطأ هو: لماذا دخل هؤلاء السياسة؟ والسؤال الصحيح: لماذا تفشل مشاريع التجديد حين تواجه الدولة؟ الجواب أن الدولة، مهما كان نظامها، تُقاوم كل ما يُهدد سلطتها. لذلك نجد أنَّ الشافعي عندما خدم الدولة، نجا فكره من الاضطهاد، بينما ابن تيمية وقطب حين عارضاها، قُمِعا.
الخلاصة أن الشخصيات الثلاثة عاشت تناقضًا محوريًا وهو إما أن يكونوا علماء في زواياهم، أو مفكرين ثوريين في ساحات السياسة. اختاروا الثاني، ودفعوا الثمن. لكن التاريخ لا يحكم عليهم، بل يحكم على من تبنى أفكارهم من بعدهم، وحوَّلها من مشاريع إصلاحية إلى أيديولوجيات جامدة. الشافعي واجه فوضى المذاهب بالتوحيد الأصولي، وابن تيمية واجه فوضى الحكام بتوحيد الحاكمية، وقطب واجه فوضى الجاهلية بتوحيد المنهج. كلهم دفعوا الثمن، لأنَّ من يريد أن يُجَدِّدَ الدين عليه أن يُواجه من يَسترزِق بجموده.
ربما كان الدرس الأعمق أن الدين حين يدخل السياسة، يدخلها بكل ثقل مفاهيمه ومقدساته، والسياسة حين تدخل الدين، تدخله بكل توازناتها القاسية.
المعادلة ليست بسيطة: الدين بلا سياسة وعظ، والسياسة بلا دين طغيان. لكن الأصعب أن نجمع بينهما دون أن نذبح أحدهما على مذبح الآخر.
العظماء الثلاثة فهموا المُعادلة، لكنهم لم يستطيعوا حلها. وربما تظل المُعادلة عصية على الحل إلى اليوم. والمشكل الأكبر ليس في اجتهاد الشافعي أو ابن تيمية أو قطب في زمنهم، بل هو اجتثاث كلماتهم من نسيجها الزمني، ثم تعليقها على واقع لم يعرفوه ولم يخطر ببالهم.
