محمد بن أنور البلوشي **
ما الفرق بين سلطنة عُمان وكثير من الدول العربية من حيث اللغات والثقافات؟ أليس هذا التنوع واحدًا من أجمل وجوه الوطن؟ وهل الوطن لون واحد وصوت واحد ولسان واحد؟ أم أنَّ جماله الحقيقي يكمن في أن نستطيع أن نسمع فيه أصواتًا متعددة، تتحدث بلغات ولهجات مختلفة، لكنها في النهاية تقول جميعها: نحن من عُمان؟
عُمان ليست جغرافيا فقط، بل ذاكرة إنسانية طويلة تشكَّلت عبر البحر والجبل والصحراء والهجرة والتجارة والتواصل مع الحضارات. ومن يقرأ التاريخ العُماني يدرك أنَّ البحر لم يكن حاجزًا بين عُمان والعالم، وإنما كان جسرًا. ولهذا ليس غريبًا أن نجد في المجتمع العُماني، إلى جانب العربية ولهجاتها المتنوعة، لغات محلية مثل البلوشية والسواحلية والكمزارية والمهرية والجبالية أو الشحرية، وكذلك اللواتية والحرسوسية والبطحرية والهبيوت وغيرها. إنها ليست مجرد كلمات نتبادلها في البيوت، بل صفحات حيَّة من التاريخ العُماني.
وهنا أسأل: لماذا الخجل أو الخوف من ممارستها؟ حين يتحدث الإنسان البلوشية في مجلس، أو السواحلية مع أسرته، أو المهرية والجبالية في ظفار، أو الكمزارية في مسندم؛ فهو لا ينتقص من مكانة اللغة العربية. العربية ستبقى اللغة الرسمية ولسان الثقافة الوطنية الجامعة، لكن قوة العربية لا تحتاج إلى موت اللغات الأخرى لكي تعيش؛ بل إنَّ المجتمع الواثق من هويته يستطيع أن يحافظ على لغته الوطنية، وفي الوقت نفسه يحتفي بتنوعه اللغوي.
ومن منظور علم اللِسانيات، اللغة ليست مجموعة مفردات وقواعد فحسب، إنها وعاء للذاكرة الاجتماعية؛ ففي داخل الكلمات تختبئ حكايات الأجداد، وأسماء البحر والجبال، والأطعمة والأغاني والأمثال والحب والحزن والسفر والعمل. وحين تموت لغة، لا تموت الكلمات وحدها، بل تموت معها طريقة مُعينة في رؤية العالم.
ولذلك يقلق علماء اللغة عندما تتوقف الأجيال الجديدة عن استخدام لغة الأجداد؛ فاللغة لا تموت فجأة، وإنما تبدأ بالمغادرة بهدوء. في البداية يتوقف الأطفال عن التحدث بها، ثم تصبح لغة الكبار، وبعد ذلك تصبح لغة المناسبات، ثم تتحول إلى كلمات قليلة نتذكرها، وأخيرًا قد يأتي جيل يقول: كان جدي يتحدث هذه اللغة، لكنني لا أعرفها.
وهنا تكمن المسؤولية!
إنَّ بقاء البلوشية أو السواحلية أو المهرية أو الكمزارية أو غيرها لا يتحقق فقط بكتابة البحوث عنها، بل باستخدامها. اللغة التي لا تُمارس تتحول تدريجيًا إلى مادة للأرشيف. لذلك ينبغي أن تدخل هذه اللغات إلى المجالس الأدبية والثقافية بصورة طبيعية. لماذا لا تكون هناك أمسية شعرية عُمانية يُلقى فيها الشعر بالعربية والبلوشية والمهرية والسواحلية والكمزارية والجبالية، ثم تُترجم النصوص إلى العربية؟ تخيلوا جمال المشهد حين يسمع الحضور القصيدة بلغتها الأصلية أولًا، ثم يسمعون معناها بالعربية. سنكتشف حينها أن المشاعر الإنسانية لا تحتاج إلى جواز سفر لغوي.
ويمكن للمجالس الأدبية أن تؤدي دورًا أكبر من ذلك، من خلال استضافة كبار السن ورُواة الحكايات الشعبية وتسجيل القصص والأمثال والأغاني والمفردات القديمة. كما تستطيع الجامعات والباحثون في اللسانيات إنشاء معاجم ومشروعات توثيق صوتي ورقمي لهذه اللغات؛ فالتكنولوجيا التي يتهمها البعض بأنها تقتل اللغات يمكن أن تصبح وسيلة لإنقاذها. تسجيل صوت امرأة مُسِنَّة تحكي قصةً بالسواحلية العُمانية، أو رجل من مسندم يتحدث بالكمزارية، أو شاعر يلقي قصيدته بالبلوشية أو المهرية، قد يصبح بعد خمسين عامًا وثيقة ثقافية لا تقدر بثمن.
لكن المسؤولية الكبرى تبدأ من البيت؛ فإذا شعر الطفل أن لغة أجداده شيء يجب أن يخجل منه، فسوف يتركها. أما إذا شعر أنها جزء من ثراء شخصيته العُمانية، فسوف يحملها معه إلى المستقبل. لا ينبغي أن نربط اللغة المحلية بالتخلف أو بالماضي، لأن الإنسان يستطيع أن يتحدث الإنجليزية في الجامعة، والعربية في عمله، ولغة أجداده في بيته، دون أي تناقض.
عُمان عبر تاريخها لم تكن نافذة مغلقة؛ بل كانت نافذة مفتوحة على المحيط الهندي والخليج وشرق أفريقيا وآسيا. ولذلك فإن تنوعها اللغوي ليس مشكلة تحتاج إلى حل، وإنما ثروة تحتاج إلى حماية.
دعوا اللغات تعيش. دعوا الأطفال يسمعونها. دعوا الشعراء يكتبون بها، والمجالس الأدبية تحتفي بها، والباحثين يوثقونها.
الوطن لا يصبح أقل وحدة عندما تتعدد ألسنته؛ بل ربما يصبح أكثر جمالًا؛ لأننا في النهاية، مهما اختلفت الكلمات واللهجات واللغات، حين نتحدث عن عُمان فإن المعنى واحد: هذا وطننا، وهذه أصواته.
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
