فوزي عمار
في تاريخ إيران المعاصر، ثمّة 3 أسماء ترسم مسارًا فكريًا فريدًا. لقد بدأوا كمهندسين للثورة ومُنظِّرين لها، قبل أن ينقلبوا إلى نُقّادٍ جذريين للسلطة التي ساهموا في تأسيسها. إنهم الثالوث النقدي الإيراني: علي شريعتي، وحسين علي منتظري، وعبد الكريم سروش.
ثلاث محطات، وثلاث رؤى، لكنها تلتقي جميعًا في لحظة فارقة وهي لحظة الوعي بفجوة بين المثال الثوري وواقع السلطة.
علي شريعتي: المهندس الفكري للثورة
وُلد علي شريعتي في خُراسان عام 1933، وتلقّى تعليمه في باريس، ليصبح عالم اجتماع ومفكرًا إسلاميًا شيعيًا. كان شريعتي أشبه بمهندس الثورة الفكري؛ حيث مزج بين الخطاب الاشتراكي والتراث الشيعي، مُفرِّقًا بين التشيُّع العلوي الثوري والتشيُّع الصفوي الراكض. آمن بأن شعوب العالم الثالث بحاجة إلى ثورتين؛ وطنية تُنهي الهيمنة الإمبريالية، وثقافية تُحرِّر الوعي.
استطاع شريعتي أن يُلهب حماسة الشباب الإيراني ضد نظام الشاه، قبل أن يلقى مصرعه في ظروف غامضة بلندن عام 1977 تاركًا إرثًا فكريًا ظلّ يتردد صداه في وجدان الثورة.
حسين علي منتظري: من ولي الفقيه إلى ناقده الأشرس
إذا كان شريعتي المهندس الفكري، فإن آية الله منتظري كان المهندس السياسي. بصفته مرجعًا دينيًا بارزًا، كان يُعدّ خليفة الخميني ومُنظِّرًا أساسيًا لنظرية ولاية الفقيه لكن مساره شهد تحولًا دراماتيكيًا عام 1989، حين عزله الخميني بعد اعتراضاته على انتهاكات حقوق الإنسان والإعدامات السياسية. تحوَّل منتظري إلى ناقد شرس للسلطة مُعتبِرًا أن ولاية الفقيه المُطلقة كانت مفسدة مطلقة، وأنها أعطت الحاكم صلاحيات على حساب حقوق المحكومين. وطرح بديلًا قائمًا على ولاية فقيه انتخابية وعاش سنواته الأخيرة تحت الإقامة الجبرية ليموت عام 2009 بعد اندلاع الحركة الخضراء التي حملت الكثير من أفكاره.
عبد الكريم سروش: فيلسوف التنوير الديني
أما سروش (المولود عام 1945)؛ فهو الأب الروحي للحركة الإصلاحية في إيران. تأثر بشريعتي لكنه انطلق في مشروع مختلف: نقد المعرفة الدينية ذاتها. واشتهر بنظريته الجريئة القبض والبسط في الشريعة والتي تُميِّز بين الدين الثابت الإلهي والفهم البشري المُتغيِّر له.
يرى سروش أن المعرفة الدينية تتغير بتغيُّر المعطيات المعرفية والعلمية، وهي نظرية أحدثت جدلًا واسعًا في الأوساط الدينية. انتقد سروش احتكار رجال الدين للحقيقة ودعا إلى فصل الدين عن الاستبداد السياسي، مما اضطره إلى المنفى بعيدًا عن إيران.
لقد شكّل هؤلاء الثلاثة معًا مسارًا نقديًا فريدًا بدأ بشريعتي الذي مَهَّد للثورة، ثم بمنتظري الذي اكتشف تناقضاتها من داخلها، وأخيرًا بسروش الذي أسَّس لنقد معرفي شامل يتجاوز السلطة إلى نقد الفهم الديني نفسه.
إنَّه ثالوث نقدي لم يكتفِ بمعارضة السُلطة؛ بل فكَّك أسسها الفكرية، مُقدِّمًا بذلك نموذجًا نادرًا في تاريخ الحركات الإسلامية، وهو نقد الذات من داخل المشروع ذاته.
