الخصوصية كرامة

 

 

 

 

صالح الغافري

 

تكثر في حياتنا المناسبات من الأفراح التي تجمع القلوب إلى الأعياد التي تضيء النفوس، ومن المجالس التي تحتضن الحوار إلى المناسبات الدينية والوطنية والثقافية، وصولًا إلى المباريات الرياضية التي تشعل الحماس في الملاعب والساحات. وفي كل هذه المشاهد يظل الهاتف حاضرًا كعين متربصة يرفع فجأة ليقتنص صورة أو مقطعاً، فتتحول اللحظة التي كان يفترض أن تبقى طبيعية إلى مشهد متوتر بين من يبتسم على استحياء ومن يشيح بوجهه ليحمي خصوصيته. 

المشكلة ليست في اللقطة ذاتها وإنما في سرعة النشر التي لا تنتظر إذنًا ولا علمًا منك. كثير من المقاطع خرجت إلى العلن بحسن نية لكنها تجاوزت الحدود وتحولت إلى أوراق مكشوفة تشهر كلما نوقش أمر يخص المجتمع، فتغدو الصورة أداة ضغط بدل أن تكون ذكرى بريئة. 

في المقابر ومجالس العزاء؛ حيث يُفترض أن يسود الصمت والوقار، قد يرفع أحدهم هاتفه فجأة ليلتقط صورة للجنازة أو للحاضرين، فتتحول لحظة الحزن إلى مشهد مكشوف يضاعف الألم. وفي المستشفيات، حين يكون المريض في أشد حالات ضعفه، تتحول صورته إلى مادة للنشر بدل أن تبقى في دائرة الستر والرحمة. وأحيانًا في مناسبات الأفراح تُلتقط صور لبعض الحاضرين وهم يتناولون الطعام أو الحلوى بطريقة عفوية قد تُظهرهم في صورة محرجة، فتتحول اللقطة من لحظة طبيعية إلى مشهد يُعرض بلا مراعاة. هذه المشاهد لا تحتاج إلى وعظ بقدر ما تحتاج إلى وعي بأنَّ الكاميرا قد تجرح أكثر مما توثق. 

لكنَّ هناك جانبًا مشرقًا لا يمكن إنكاره. الكاميرا حين تستخدم بوعي تصبح شاهدًا على الخير، تحفظ لحظة تكريم طالب مجتهد، أو توثق نشاطًا جماعيًا في المدرسة، أو تبرز صورة البائع العُماني وهو يعرض منتجاته المحلية في السوق فتدعم الهوية الاقتصادية وتشجع الإنتاج الوطني. وهي أيضًا وسيلة لتوثيق الخدمات المجتمعية حين يتكاتف الناس في حملات التبرع أو المبادرات التطوعية، وتصبح سجلًا حيًا لروح التعاون. كما أنها تبرز تكريم المبتكرين وأصحاب الإنجازات العلمية والفكرية، فتغرس في الأجيال قيمة الإبداع والجد والاجتهاد. وفي المناسبات الوطنية حين تلتقط صور الأطفال وهم يلوحون بالأعلام، تتحول الصورة إلى رمز للانتماء والفرح الجماعي. وفي الأعراس حين يلتقط المصورون المتعارف عليهم صورًا منظمة، فإنهم يحفظون للناس خصوصيتهم ويبرزون أجمل ما في المجتمع من أصالة وتعاون. 

ولا يقتصر الأمر على أبناء المجتمع وحدهم، وإنما يشمل أيضًا احترام خصوصية السياح والزوار، فهم ضيوف على هذه الأرض الطيبة، ومن حقهم أن يعيشوا تجربتهم بأمان وراحة دون أن تتحول لحظاتهم إلى مادة للنشر أو التداول. فالصورة الواعية هنا لا تحفظ الذكرى فقط، وإنما تعكس قيم الكرم والاحترام التي تميز المجتمع العُماني. 

المصور الواعي والمصورون المتعارف عليهم في كل مناسبة يعرفون حدودهم ويدركون أن هناك ما يُصوَّر وما يُترك، وأن الصورة ليست مجرد إطار وإنما مسؤولية، وأن احترام الخصوصية جزء من هوية المجتمع. أما التصوير المفاجئ فهو انتهاك لحرمة اللحظة لأنه يقتنص ما يجب أن يبقى في دائرة الصمت والستر. 

كثيرًا ما يرفع أحدنا الهاتف بدافع الفضول أو الحماس، لكن قبل الضغط على زر النشر، عليه أن يتذكر أن الصورة قد تفتح باب خصومة أو مساءلة لا حاجة لها. لذلك، قبل أن يضعها في العلن، يسأل نفسه: هل هذه الصورة تستحق أن تُعرض أم أن تركها أكرم وأحفظ؟ مجرد هذا السؤال البسيط قد يحمي خصوصية إنسان ويصون كرامته. 

ومن الهدي الإيماني الذي يوجّهنا في حياتنا قوله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا" [النور: 27]، وهو أصل في حفظ الخصوصية. 

وجاء عن رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم: "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة"، وهو توجيه كريم يعلمنا أن الستر أولى من الكشف. 

ويؤكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله وراعاه- في خطاباته السامية أن كرامة الإنسان أساس الاستقرار، وأن الحفاظ على الإرث الأخلاقي مسؤولية وطنية. هذه الكلمات السامية تجعل من احترام الخصوصية واجبًا وطنيًا لا مجرد سلوك فردي. 

إننا حين نحترم خصوصية بعضنا، نصنع مجتمعًا أكثر دفئًا وأمانًا. الكاميرا ليست مجرد عدسة وإنما مسؤولية، إما أن تحفظ اللحظة بوعي أو أن تجرح الخصوصية بلا إذن، والمجتمع الذي يصون خصوصيته هو المجتمع الذي يحفظ كرامته ويصون قيمه أمام سطوة العدسات.

الأكثر قراءة

z