عائشة الفارسية
التسابق في حجز الدروس الخصوصية: هل هو تباهٍ وإسراف من أولياء الأمور أم تقصير من المُعلمين والكادر المدرسي؟ فظاهرة حجز الدروس الخصوصية في بداية العام الدراسي، وأحيانًا حتى قبل بدء العام الدراسي، أصبحت مشهدًا مألوفًا.
نلاحظ التسابق إلى الحجوزات وهناك قوائم انتظار، وحجوزات من شهر يوليو، وإعلانات بأن المقاعد محدودة، فهل هذا سباق نحو التفوق، أم سباق نحو المظاهر؟ وهل المشكلة في البيت أم في المدرسة؟ السبب ليس واحدًا وإنما يشترك فيه الجميع من أولياء أمور ومعلمين ومدرسة، هو مزيج ثلاثي الأطراف.
خوف أولياء الأمور من التأخر الدراسي لأطفالهم، وهم دائمًا يريدون أبناءهم في المقدمة، لأن كثيرًا من الأهالي يظنون أنَّ تأخير الحجز يعني عدم الحصول على فرصة له، وهنا من وجهة نظرهم ضياع مستقبل الابن، فصار الحجز المبكر ضمانًا اجتماعيًا ضد الفشل، هنا قد يكون الأمر عاديًا لو حجز مادة أو اثنتين حسب احتياج ابنه، ولكن أن يحجز كل المواد، هنا يكون تباهيًا اجتماعيًا وإسرافًا ماديًا؛ لأنه يدفع مبالغ كبيرة على خمس أو ست مواد من البداية، حتى لو لم يحتجها الطالب، فقط لأن فلانًا وفلانًا هكذا يعملون، ويريح باله من مراجعة الدروس مع أطفاله، وهناك أطفال من بداية مرحلتهم الدراسية وهم يعودون من المدرسة إلى المعلم الخاص، هذا يرهق ميزانية الأسرة، ويرهق الطالب نفسه.
وفي المدرسة هناك أسباب أخرى؛ فاكتظاظ الفصول والعدد الكبير في الصف الواحد يستحيل معه أن يفهم الجميع بنفس المستوى، المناهج كبيرة وطويلة مع قصر الوقت، يشعر الطالب وولي الأمر أن المدرسة وحدها لا تكفي، ولا بد من وجود مُعلم خاص.
كما أن ضعف وغياب المتابعة والدعم في الحي المدرسي، مثل حصص التقوية المجانية الفعلية داخل المدرسة للطلاب الضعاف أو المتفوقين، وأحيانًا نقص في الشرح داخل الحصة بسبب ضيق الوقت، أو مثل ما ذكرنا سابقًا طول المنهج، يجد الطالب نفسه تائهًا لا يستطيع الصمود أمام النقاط الصعبة، فيلجأ للمعلم الخصوصي.
وهناك بعض المعلمين، وليس الكل، يتعمدون عدم إكمال المنهج أو شرح النقاط الصعبة في المدرسة، ليبقى الطالب محتاجًا للدرس الخارجي، تحويل المدرسة إلى إعلان واستغلال الحصة لجذب الطلاب لمراكزهم أو منازلهم.
كل هذا له آثار على الطالب وأيضًا على الأسرة، ويسبب إرهاقًا للطالب فبعد يوم دراسي طويل هناك رحلة ثانية للدروس الخصوصية قد تمتد لأربع ساعات، فلا يجد وقتًا للراحة ولا للهواية ولا للأسرة، فيتحول التعليم إلى عبء وثقل على الجميع.
والدرس الخصوصي يقتل الاعتماد على النفس؛ فالطالب ينتظر أن "يُلقَّن" له كل شيء، ومن ثم يضعُف اعتماده على المدرسة والكتاب، لأن في باله: لو ما حضرت الدرس في الصف معي معلمي الخاص، وهذه الكلمات تتردد في الفصول، وهذا يُوجِد فجوة طبقية، فمن لا يستطيع الدفع يشعر بالنقص، حتى لو كان مجتهدًا، فيتسع الفرق بين الطلاب ويسبب التنمر.
ويضعف دور المدرسة، وكأننا نرسل رسالة للطالب: ما ستتعلمه في المدرسة لا يكفي، ابحث عن البديل، ولحل هذا الموضوع لا بد أن يشارك الجميع فيه المدرسة والمعلم مع ولي الأمر.
وهناك حلول موجهة لأولياء الأمور، منها استخدام قاعدة التشخيص قبل العلاج، فلا نحجز درسًا إلا بعد شهر من الدراسة وبعد معرفة نقاط الضعف الحقيقية من خلال المدرسة والمعلم، كما علينا أن نحارب ثقافة الكل حجز، ونتمهل لحد ما نقيس مستوى أبنائنا، وبعدها نحدد هل يحتاج معلمًا خاصًا أو لا.
وعلينا اتباع الترشيد، فدرس واحد أو اثنان للمواد الصعبة فقط ولفترة محددة، لا جميع المواد؛ حيث إن الهدف هو تقوية الطالب، ومن ثم يمكن الاستغناء عن المدرس الخصوصي.
أما معلمونا الأعزاء في المدارس، فعليكم تفعيل حصص التقوية المجانية بجدول أسبوعي داخل المدرسة لعلاج الضعف وإثراء المتفوقين بإشراف إدارة المدرسة، تقليل الكثافة الطلابية، هذا هو الحل الجذري لفهم أفضل داخل الصف.
وأرى في هذا السياق، ضرورة تدريب المعلمين على طرق الشرح الحديثة وإدارة الصف والتعامل مع الفروق الفردية، ورقابة صارمة مع منع المعلم من إعطاء طلابه في المدرسة دروسًا خصوصية، ووضع ميثاق شرف مهني.
وعلى مستوى النظام التعليمي، نرى أن الحلول تتمثل في مراجعة المناهج وتخفيفها مع مراعاة الأهم فالأهم، والتركيز على الفهم والمهارات بدل الحفظ، إنشاء منصات تعليمية حكومية مجانية وقنوات ودروس مسجلة من أفضل المعلمين تكون مرجعًا لكل الطلاب، وتوعية مجتمعية بحملات إعلامية توضح أن الدرس الخصوصي هو علاج وليس تباهيًا.
إذن.. التسابق على الدروس الخصوصية ليس ترفًا ولا تقصيرًا فقط، هو نتيجة لخلل مشترك، خوف الأهل وضغط المنهج واكتظاظ الفصول مع استغلال البعض يساوي هذه الظاهرة.
والحل ليس بمنع الدروس تمامًا فهي مفيدة أحيانًا كدعم، الحل أن نعيد للدروس معناها الحقيقي، فهي سند مؤقت عند الحاجة وليست عادة يومية للتباهي، وعندما تعود الثقة للمدرسة، ويعود وعي الأهل، ويعود ضمير البعض من المعلمين، حينها فقط سنكسر هذا السباق المرهق.
