الشباب العُماني.. ثروة الوطن ورهان المستقبل

 

 

 

د. حامد بن عبدالله البلوشي **

في الثاني عشر من أغسطس من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للشباب، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على أهمية الشباب ودورهم المحوري في بناء المجتمعات وصناعة المستقبل. ولا يقتصر الاحتفاء بهذا اليوم على كونه فعالية رمزية، بل يمثل دعوة عالمية متجددة إلى الاستثمار في الإنسان، وتمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في التنمية، وتعزيز قدراتهم في مجالات التعليم والابتكار وريادة الأعمال، وتشجيع الحوار والمشاركة المجتمعية، مع لفت الأنظار إلى التحديات التي تواجههم في مختلف أنحاء العالم.

ويأتي الاحتفاء بهذه المناسبة في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في شتى المجالات؛ الاقتصادية والتقنية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل من الشباب القوة الأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، والأقدر على قيادة مسيرة التطوير إذا ما أُحسن إعدادهم، ووُفرت لهم البيئة الداعمة التي تنمي مواهبهم، وتصقل مهاراتهم، وتفتح أمامهم آفاق الإبداع والتميز.

ويحل اليوم الدولي للشباب لعام 2026، تحت شعار «ظروف مختلفة وتطلعات مشتركة»، في رسالة عالمية تؤكد أن الشباب، وإن اختلفت بلدانهم وبيئاتهم وتحدياتهم، فإنهم يلتقون في تطلعات إنسانية مشتركة؛ كالكرامة الإنسانية، والفرص الواعدة، والمشاركة الفاعلة، والعمل اللائق، والتعليم الجيد، والقدرة على الإسهام في صناعة مستقبلهم. ومن هنا لا ينبغي النظر إلى الشباب باعتبارهم متلقين سلبيين لثمار التنمية فحسب، بل شركاء فاعلين في صناعتها، وأصواتًا ينبغي أن تُسمع، وطاقاتٍ يجب أن تُستثمر، وأفكارًا لابد أن تجد طريقها إلى الواقع؛ فاختلاف السياقات لا يمكن أن يحجب وحدة الطموح، ولا أن يحول دون بناء مستقبل تشارك الأجيال جميعًا في صناعته.

وفي السلطنة، يحظى الشباب بمكانة راسخة، ومنزلة رفيعة تنبع من إيمان القيادة الحكيمة بأنهم الشريك الحقيقي في مسيرة التنمية، وأن البناء السليم للإنسان العُماني هو أساس بناء الدولة الحديثة، والدرع الواقي لها. وقد أكدت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- أهمية تمكين الشباب، وإشراكهم في صناعة المستقبل، وإتاحة الفرص أمامهم للإبداع والابتكار والمشاركة في مختلف مجالات التنمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الأمم تتقدم بسواعد شبابها، وتزدهر بعقولهم، وتستثمر في طاقاتهم.

وتُجسِّد رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه بوضوح؛ إذ وضعت الإنسان في قلب التنمية، وجعلت الشباب محورًا رئيسًا في تحقيق أهدافها، من خلال إعداد جيل واعٍ يمتلك المعرفة، ويتقن مهارات المستقبل، ويتميز بالقدرة على المنافسة والإنتاج والابتكار. فالشباب ليسوا عبئا على برامج التنمية، أو مجرد مستفيدين منها، بل هم وقودها ومحركها، وأساسها وركيزتها، وهم شركاء في تصميمها وتنفيذها، وعناصر فاعلة في تحقيق مستهدفاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب ليس إنفاقًا على الحاضر فحسب، بل هو استثمار طويل الأمد في مستقبل الوطن واستدامة منجزاته.

وقد تَرجمت السلطنة هذا الاهتمام إلى مجموعة من البرامج والمبادرات العملية، والتي تهدف إلى تمكين الشباب في مختلف المجالات. ففي قطاع التعليم، شهدت المنظومة التعليمية تطورًا ملحوظًا في تحديث المناهج، وتوسيع فرص التعليم العالي، وتعزيز برامج التدريب والتأهيل المهني، بما يواكب متطلبات سوق العمل المحلي والعالمي. كما أولت المؤسسات التعليمية اهتمامًا متزايدًا بتنمية مهارات التفكير الناقد، والبحث العلمي، والابتكار، والعمل الجماعي، والمهارات الرقمية التي أصبحت من أهم مقومات النجاح في العصر الحديث.

أما في المجال الاقتصادي، فقد وفرت السلطنة بيئة داعمة لريادة الأعمال، وشجعت الشباب على إنشاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وقدمت لهم التسهيلات اللازمة، باعتبار تلك المشروعات أحد المحركات الأساسية لتنويع الاقتصاد الوطني، وتوفير فرص العمل، وتعزيز ثقافة الإنتاج والاستقلالية. كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في المبادرات الهادفة إلى دعم رواد الأعمال، وتقديم برامج التمويل، والاستشارات، وحاضنات الأعمال، بما يعزز قدرة الشباب على تحويل أفكارهم المبتكرة إلى مشروعات ناجحة تسهم في التنمية الاقتصادية، وتزيل العقبات من طريقها.

ولم يقتصر التمكين على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى تعزيز مشاركة الشباب في العمل التطوعي، والأعمال الخيرية، والمبادرات المجتمعية، واللجان الاستشارية، والبرامج الوطنية، بما يعكس الإيمان بأهمية دورهم في صنع القرار، وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية المجتمعية. كما منحت السلطنة عنايتها الفائقة بالتحول الرقمي والابتكار، فعملت على توسيع الخدمات الرقمية، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة، وإعداد الكفاءات الوطنية القادرة على التعامل مع متطلبات الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الرابعة، من تطور تقني يدمج بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية، والاعتماد بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء(lot) ، والروبوتات المتقدمة.

وفي الجوانب الثقافية والرياضية والعلمية، حرصت السلطنة على توفير بيئة خصبة لاكتشاف المواهب، وتنمية القدرات، ودعم الإبداع، من خلال المسابقات المتنوعة، والملتقيات المتكررة، والبرامج التدريبية، والأنشطة الشبابية، بما يسهم في بناء شخصية عمانية متوازنة تجمع بين العلم الغزير، والثقافة الواسعة، والصحة الجسدية والنفسية، والانتماء الوطني.

ورغم هذه الجهود الكبيرة، فإن الشباب اليوم يواجهون العديد من التحديات المتجددة والتي تفرضها طبيعة العصر الذي نعيشه، وفي مقدمتها التسارع التقني الهائل، والمنافسة المتزايدة في سوق العمل، والحاجة المستمرة إلى اكتساب مهارات جديدة تتوافق مع الوظائف المستقبلية. كما أن التحول نحو الاقتصاد المعرفي والرقمي يتطلب من الشباب أن يكونوا أكثر استعدادًا للتعلم المستمر، والتطور الدائم، وأن يكونوا أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثر إقبالًا على الابتكار والإبداع، بدلاً من الاكتفاء بالمعارف التقليدية، والبقاء في منطقة الراحة.

وفي المقابل، فإن هذه التحديات رغم ما تبدو عليه من كونها عوائق مقلقة، وموانع مستعصية؛ إلّا أنها تحمل في طياتها فرصًا واعدة، وتخفي في جعبتها آفاقاً مبشرة، خاصة في ظل ما تشهده السلطنة من تحول اقتصادي ورقمي، وتوسع في مجالات الاستثمار، والاقتصاد الأخضر، والصناعات المعرفية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الإبداعي، وهي مجالات تتيح للشباب آفاقًا واسعة للإسهام في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.

ومن هنا، فإن المسؤولية مشتركة بين الشباب من جهة، والمؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى. فالشباب مطالبون باغتنام الفرص، والحرص على التعلم المستمر، وتنمية المهارات، وإتقان اللغات والتقنيات الحديثة، وتعزيز ثقافة المبادرة وريادة الأعمال، والإقبال على العمل التطوعي الذي ينمي الشخصية، ويعزز روح المسؤولية والانتماء. وفي الوقت ذاته، تظل المؤسسات الوطنية مطالبة بمواصلة تطوير البرامج والسياسات التي تمكن الشباب، وتوسع مشاركتهم، وتوفر لهم البيئة المحفزة للإبداع والإنتاج، بما يرسخ مبدأ الشراكة الحقيقية بينهم وبين مؤسسات الدولة، ويجعلهم شركاء في صناعة القرار، لا مجرد متلقين لثماره.

إنَّ الاحتفاء باليوم الدولي للشباب ليس مناسبة سنوية عابرة، بل هو تجديد للعهد بأن الشباب هم الثروة الوطنية الأغلى، وأن الاستثمار في عقولهم ومهاراتهم وقيمهم هو الاستثمار الأكثر استدامة وربحًا. ومع استمرار السلطنة في تنفيذ رؤيتها الطموحة، وتعزيز برامج التمكين، وإعداد جيل مؤهل علميًّا، ومهاريًّا، وأخلاقيًّا، فإن المستقبل يبدو أكثر إشراقًا، لأن وطنًا يضع شبابه في قلب التنمية، ويمنحهم الثقة والمسؤولية، لَهُوَ وطن جدير بأن يبني نهضته على أساس متين، ويؤسس لمسيرة تنموية قادرة على تحقيق تطلعات الوطن، وترسيخ مكانته بين الأمم.

** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z