د. صالح الفهدي
يروي لي صديق عن والده يقول: والدي صاحب همَّة وعزيمة تجدهُ منذ الصباح الباكر يتحرَّك عاملًا في كل الاتجاهات يقضي شيئا هنا، وشيئا هناك، ولكن لا تكاد ترى ما أنجزه في نهاية اليوم، لأنه لم يركز على موضوع واحد فيمنحه وقته ويتمه بأكمله!
وهذا بالضبط ما يحدث في مسألة التشتت عند كثيرٍ من الناس الذين يتحجَّجون بقلةِ الوقت، وكثرة المشاغل، بينما الحقيقة أنهم مشتَّتون في اهتمامات لا تضيف لهم إنجازًا ملموسًا في حياتهم.
وقد قيل "من أراد أن يصيب الهدف، فلا يشتّت سهامه في كل اتجاه"؛ فالإنجاز لا يحتاج دائمًا إلى كثرة الحركة، وإنما يحتاج إلى حسن توجيه الحركة، وقد يكون المرء كثير السعي، قليل الأثر، لأنه يوزِّع جهده على أعمالٍ كثيرة، فلا يُحسن إتمام واحدٍ منها، وعلى النقيضِ تجدُ من يعملُ بذكاءٍ وتركيزٍ فيصيبُ إنجازًا معيَّنًا يضيفهُ إلى آثار حياته.
وقد شاعت الصورة الذهنية أن المكتب المليء بالملفات والأوراق يعني أن الموظف منجزٌ ومجدٌّ في عمله، في حين أن المكتب الفارغ يعني أن صاحبهُ لا يعمل، وهذه فكرة خاطئة فقد رأيت طاولات بعض رؤساء الوحدات وهي فارغة من الملفات، كما رأيت مسؤولين يصولون ويجولون ولكنهم لا يحققون شيئاً من هذه الحركة كلها؛ فالإنجاز يعني التركيز على الهدف لا التشتت في كثرة الأهداف وبطءِ سير العمل في المقابل، وعدم تحقيق الإنجاز، ولهذا يقال :"كثرة الانشغال ليست دليلًا على كثرة الإنجاز".
ولذلك فإن بعض الناس يحتاجون إلى أن يتعلَّموا فنَّ الترك والتركيز كما يتعلَّمون فنَّ العمل؛ أن يتركوا ما لا يضيف، ويؤجِّلوا ما يمكن تأجيله، ويختاروا من أعمالهم ما يستحق أن تُبذل فيه الطاقة والوقت.
وهنا يحضرني قانون باركنسون الذي كتبتُ عنه سابقًا، والذي ينصُّ على أنَّ: "العمل يتمدَّد ليملأ الوقت المتاح لإنجازه" فإذا أعطيتَ مهمةً بسيطةً يومًا كاملًا، فقد تستغرق منك يومًا كاملًا، وإذا حدَّدت لها ساعتين بتركيزٍ وانضباط، فقد تنجزها في ساعتين.
وهذا يفسِّر جانبًا من ظاهرة الانشغال؛ فالإنسان لا يبدِّد وقته فقط بسبب كثرة الأعمال، وإنما قد يبدِّده أيضًا لأنه يمنح الأعمال وقتًا أطول مما تحتاج إليه. فينشغل بالتفاصيل، ويؤجِّل الحسم، وينتقل من مهمةٍ إلى أخرى، حتى يمتلئ يومه بالأعمال الصغيرة، بينما تبقى الأعمال الكبيرة معلَّقة.
ومن هنا فإن إدارة الوقت ليست أن تملأ يومك بالأعمال، وإنما أن تحدد العمل المهم وأن تضع لكل عملٍ قدره من الوقت، ثم تلتزم به؛ فالمشكلة ليست دائمًا في ضيق الوقت، وإنما في الطريقة التي نسمح للوقت أن يتمدَّد بها حول أعمالنا.
كذلك نستحضرُ هنا قاعدة أخرى في إدارة الوقت وترتيب الأولويات، عبَّر عنها "أَب الإدارة" الشهير بيتر دركر بقوله: "ليس المهم أن نفعل الأشياء بطريقة صحيحة، بل أن نفعل الأشياء الصحيحة"، فكم من إنسانٍ يتقن عمله، ويؤديه بإخلاصٍ ودقة، لكنه يكتشف بعد وقتٍ طويل أنه كان يبذل جهده في أمورٍ ليست هي الأهم! فالكفاءة وحدها لا تكفي؛ إذ ينبغي أن تسبقها البصيرة في اختيار ما يستحق الجهد والوقت. وقد يكون إنجاز مهمةٍ غير مهمة بإتقانٍ شديد نوعًا من إهدار الوقت، بينما قد يكون تركها والتفرغ لما هو أكثر أثرًا هو عين الحكمة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل عمل ليس: كيف أنجزه؟ وإنما: هل يستحق أصلًا أن أنجزه؟؛ فاختيار العمل الصحيح نصف الإنجاز، والتركيز عليه حتى إتمامه هو النصف الآخر.
إنَّ التركيز يحوِّل الجهد إلى إنجاز، والتشتّت يحوِّل الجهد إلى حركة، وقانون باركنسون يذكّرنا بأن الوقت الذي نتركه مفتوحًا قد يبتلع العمل كله.
هذه القواعد هي ما يجب أن نعمل عليه اليوم وسط المشتتات الكثيرة التي تتساوق علينا فتسلبنا تركيزنا واهتماماتنا وتختطفُ منا أهدافنا، وتؤجَّل إنجازاتنا، ولهذا يتحتم على العاقل أن يسأل نفسه في بداية يومه: ما الذي يتوجَّب عليَّ أن أنجزه في هذا اليوم؟
وفي السياق نفسه، كان ستيف جوبز أحد مؤسسي شركة آبل (Apple) يستحضر سؤالًا يوميًّا شديد العمق، فقد ذكر أنه كان ينظر إلى نفسه في المرآة ويسأل: لو كان هذا آخر يوم في حياتي، فهل سأرغب في أن أفعل ما أنا على وشك فعله اليوم؟ وكان يرى أن تكرار الإجابة بـ«لا» أيامًا متتالية إشارة إلى ضرورة أن يغيّر شيئًا في حياته. وهذه الفكرة تضع الإنسان أمام ميزانٍ مختلف للوقت؛ فليست القضية كم ساعة نملك، وإنما ماذا سنملأ هذه الساعات، ولمن، ولماذا. فحين يدرك الإنسان أن عمره محدود، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق أن ينشغل به، وما ينبغي أن يتركه، وبين ما يملأ يومه حركةً، وما يملأ حياته معنى. ولعلَّ أعظم صور إدارة الوقت أن يعرف الإنسان ما الذي يستحق أن يمنحه جزءًا من عمره، وما الذي لا يستحق؛ فالعُمر الحقيقي هو قيمة الإنجاز الذي يحققه الإنسان وليس عدد السنين التي يعيشها.
