د. صالح الفهدي
هل سألتَ نفسك يومًا: ما هو أثَري في الحياة؟ أأنا عائشٌ مجرَّد آدميِّ خُلقَ يَدُبُّ على الأَرضِ دون أن يكونَ له أثرٌ يُعرفُ به، أو يُذكر به، أو يُثنى عليه؟ أم ليكونَ لي أَثرٌ نافعٌ؟ وأيُّ معنىً لحياةِ إِنسانٍ لا أثرَ لهُ إلا كشبحٍ يمشي على حافةِ ظلٍّ؟! يقولُ الشافعي:
قد ماتَ قومٌ وما ماتت فضائلهم
وعاشَ قومٌ وهم في الناسِ أمواتٌ
عرفتُ أُناسًا أصحابَ أَثرٍ في حياتهم، سواءً كان ذلك الأثرُ ماديًّا أم معنويًّا؟ فمنْ كانَ غنيَّ مالٍ أو مقتدرَ حالٍ بنى مسجدًا، أو مجلسًا، أو مدرسةً، أو ساهم في مشروعٍ خيري، ومن كانَ ذا علمٍ لم يبخل به على الناس؛ واعظًا، وناصحًا، وناشرًا، ومن كانَ ذا هِمَّةٍ ساعدَ الناس في قضاءِ حوائجهم. وعرفتُ في المقابلِ أُناسًا من بين الأولين والآخرين فلا الغنيُّ منهم أسهم بماله، ولا صاحبُ العلمِ أسهم بعلمه، ولا ذو الهمَّةِ أسهم بجهده.
يُروى عن أحد الأَغنياءِ أنَّه أراد أن يُخرجَ صدقةً من رصيدهِ المتراكم في البنوك، فلمَّا حُسِب نصابُ الزكاة منه هالهُ كِبَرُ النِصابَ، فارتجفتْ فرائصهُ، وتراجعَ عن نيَّته، ورحلَ عن الحياةِ دونَ أَثر! ولقد رأيتُ من يبني المساجد في عددٍ من الدول، ورأيتُ من ينشرُ دعوةَ الإسلام بين أقوامٍ جاهلة فتدخلُ جماعات، وجالستُ من بنى مجالسَ للناس وفي قلبهِ سكينةٌ واطمئنانْ، ومن سعى في تأسيس جمعياتٍ خيرية لخدمة المجتمع، وشهدتُ على أطباءَ يعالجون بعض فئات المجتمع دون مقابلٍ بما مكَّنهم الله في علمهم، ووجدتُ من يتطوَّع في خدمة المجتمع.
يتحدَّث الدكتور مصطفى محمود- رحمه الله- صاحب برنامج "العلم والإيمان" قائلًا في أواخر عُمره: نظرتُ إلى أعمالي فوجدتها لا تزيد عن بضعةِ كتبٍ وبرامج مصوَّرة، فسألتُ نفسي: أبهذا أقابلُ ربي؟ حينها سعيتُ إلى بناء جامع ومستشفى، يحملان اسمه. وهما عملان صالحان يصبَّان في موازين أعماله.
ليس كل ما يفعله الإنسان في حياته يبقى، وليس كل ما يملكه يصحبه معه حين يرحل؛ قد تتبدل المناصب، وتتغير المواقع، وتفنى الأموال، وتغيب الأسماء عن الذاكرة، لكن شيئا واحدا يمكن أن يظل حاضرا بعد غياب صاحبه وهو الأثر.
الأثر هو ما يتركه الإنسان في حياة الآخرين، وفي المكان الذي عاش فيه، وفي العمل الذي أدَّاه، وفي القيم التي نشرها. ولذلك فإن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بما أنجزه لنفسه، وإنما بما أضافه إلى حياة من حوله.
قد يعيش إنسان سنوات طويلة دون أن يترك وراءه إلا اسمًا في سجل، أو رقمًا في ملف، بينما قد يعيش آخر زمنًا أقصر، لكنه يترك فكرة تغيُّر حياة، أو كلمةً ترفع معنويات، أو موقفا يصنع إنسانًا، أو مشروعًا ينتفع به الناس من بعده، والتاريخُ مليءٌ بالأمثلة على الصِّنفين من الناس.
ومن هنا فإن الأثر ليس بالضرورة عملًا عظيمًا بالمعنى الذي يراه الناس. فقد يكون الأثر في أبٍ ربَّى أبناءه على مكارم الأخلاق، ومحاسن القيم، أو معلمٍ زرع في طالب شغف المعرفة، أو مديرٍ منح موظفيه الثقة، والتمكين، أو طبيبٍ أعاد إلى مريضه الأمل في الحياة، أو إنسانٍ عزَّز بكلمة طيبة من كان محتاجًا لها.
إنني لأذكرُ إنسانًا رحلَ عن الحياةِ منذ سنين طويلة ولم ألتقهِ في حياته سوى مرتين أو ثلاث لكنه ترك أثرًا في نفسي بسبب لطفه، وأخلاقه العالية، ليس أكثر من هذا وهي تكفي، فـ"الكلمة الطيبة صدقة" و"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخُلق" كما جاء في الحديث الشريف. وهذه آثارٌ حميدةٌ يُذكرُ بها الناس، فلأصحابها المقام العليِّ "إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا" كما ورد في الحديث الشريف.
إنَّ أعظم ما في الأثر أنه يتجاوز صاحبه؛ فالإنسان قد يقوم بعمل وينتهي أثره بانتهاء العمل، لكنه حين يصنع قيمة في إنسان آخر، فإن أثره يبدأ في الانتقال من شخصٍ إلى آخر. وقد تكون كلمةً قلتها منذ سنوات قد بقيت في ذاكرة إنسان، ثم أصبحت سببًا في قرارٍ اتخذه، أو نجاحٍ حققه، أو خلقٍ تمسَّكَ به، دون أن تعرف أنت أن لك في ذلك نصيبا.
إنَّ الإنسان حين ينظر إلى حياته من هذه الزاوية سيكتشف أن بعض الأعمال التي كان يظنُّها صغيرة كانت في حقيقتها عظيمة الأثر؛ ابتسامة في وجه شخص مهموم، إنصاف لموظف تعرض للظلم، فرصة منحتها لشاب، نصيحة قدمتها بإخلاص، أو اعتذارٍ صادق حفظ علاقة من الانهيار؛ كلُّها أفعال قد لا تجد لها مكانا في الأوراق، لكنها تجد مكانًا عميقًا في ذاكرة البشر.
