جان يعقوب جبور
في الحادي عشر من سبتمبر 2026 أطل علينا مجلس الوزراء اللبناني بقرارات عدة تهدد مجددًا جيوب الشعب اللبناني ومن ضمنها تكييف الرسوم والضرائب مع سعر الصرف بدون إصلاح مصرفي أو مالي في لبنان. المفارقة الكبرى في التلاعب بعقول الناس تكمن في استباق ردود أفعالهم بجملة مستفزة: "لا ضرائب أو رسوم جديدة". كيف لعاقل أو متعلم أو مثقف أو مواطن وطني أن يصدق هذا القرار وخاصة أن هذا التكييف سيفوق كل الرسوم والضرائب من جيوب الشعب الذي نُهبت أمواله من قبل السلطة وبالاتفاق مع المصارف اللبنانية ضمن هندسات مالية وُضعت على مقياسهم وجيوبهم. ها هم ينهبون مجددًا أموال المودعين بكذبة أخرى نأمل أن تحرك جميع اللبنانيين للوقوف ضد هذه القرارات بغض النظر عن الاختلافات السياسية والخطابات الشعبوية. ومن هنا رأينا أن نضع بين أيدي القارئ هذه المقالة للتعبير عما آلت إليه الأوضاع السياسية والمعيشية والمالية والاجتماعية في لبنان.
في بلدٍ يعيش منذ سنوات على وقع الانهيار المالي والنقدي، لم تعد المشكلة في مقدار الضريبة التي تفرضها الدولة فحسب، بل في الطريقة التي تُفرض بها، والظرف الاقتصادي الذي يتحمّل فيه المواطن أعباءها. فأن يجري تكييف الرسوم والضرائب مع سعر الصرف، من دون أن يسبق ذلك إصلاح مصرفي ونقدي ومالي حقيقي، يعني عمليًا نقل كلفة الانهيار إلى جيب المواطن، وتحويل انهيار العملة إلى أداة إضافية لزيادة الإيرادات على حساب قدرته الشرائية. المشكلة هنا ليست مجرد أرقام تُعدّل في جداول وزارة المالية، بل مسألة عدالة اقتصادية واجتماعية. عندما يُرفع رسم أو بدل خدمة استنادًا إلى سعر صرف أعلى، بينما بقيت مداخيل المواطن ورواتبه عاجزة عن مواكبة التضخم، فإن الدولة لا تكون قد عالجت الخلل، بل تكون قد عمّقته. فالراتب الذي كان يكفي لتغطية مجموعة من الحاجات الأساسية أصبح اليوم عاجزًا عن تأمين الحد الأدنى منها، وأي زيادة في الرسوم تعني اقتطاع جزء إضافي من القدرة الشرائية المتبقية.
الأكثر خطورة أن المواطن قد يجد نفسه أمام ما يشبه الضريبة المزدوجة. فهو يدفع أولًا ثمن انهيار العملة من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ثم يدفع ثانيًا الرسوم والضرائب التي ترتفع بدورها مع سعر الصرف. وبين الاثنين تتآكل قيمة دخله يومًا بعد يوم. وإذا لم تقترن هذه الزيادات بإصلاح مصرفي يعيد الثقة إلى القطاع المالي، وبسياسة نقدية واضحة، وبإعادة هيكلة مالية شفافة، فإنها تصبح أقرب إلى معالجة مالية قصيرة الأمد على حساب مستقبل الاقتصاد. ليس من المنطقي أن يُطلب من المواطن تحمّل نتائج أزمة لم يصنعها وحده. فالانهيار المالي والمصرفي هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات والقرارات وسوء الإدارة والإنفاق والعجز، إضافة إلى عوامل سياسية واقتصادية متعددة. ولذلك، فإن تحميل المواطن وحده فاتورة الإنقاذ من خلال رفع الرسوم والضرائب هو أسهل الخيارات بالنسبة إلى السلطة، لكنه ليس بالضرورة الخيار الأكثر عدالة أو استدامة.
والسؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو: أين الإصلاح المصرفي قبل زيادة الأعباء؟ كيف يمكن مطالبة الناس بالمزيد من الضرائب والرسوم بينما لا تزال حقوق المودعين وملفات المصارف وإعادة هيكلة القطاع المالي من القضايا الأساسية العالقة؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد منتج في ظل نظام مالي لم يستعد عافيته وثقة الناس به؟
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من معالجة جذور الأزمة. يبدأ بإصلاح القطاع المصرفي، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وحماية صغار المودعين، وإقرار إطار مالي ونقدي قابل للحياة، ومكافحة التهرب الضريبي والفساد، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المنتج. أما اللجوء المستمر إلى زيادة الرسوم والضرائب، فهو يشبه وضع ضمادة فوق جرح عميق من دون معالجة أسبابه.
وقد يكون استحداث ضريبة جديدة واضحًا ومباشرًا أمام المواطن، فيعرف مقدارها والسبب المعلن لفرضها. لكن تكييف الرسوم والضرائب مع سعر صرف متغير في اقتصاد يعاني تضخمًا وانخفاضًا حادًا في القدرة الشرائية قد يكون أكثر قسوة وأقل وضوحًا. فالزيادة لا تظهر دائمًا كضريبة جديدة، لكنها تصل إلى المواطن بالنتيجة نفسها: كلفة أعلى على معاملاته وخدماته والتزاماته اليومية. وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يحاول تقديم هذه الإجراءات باعتبارها مجرد تحديث إداري أو تصحيح للقيم المالية. صحيح أن بعض الرسوم قد تحتاج تقنيًا إلى مراجعة قيمتها بسبب تغيرات العملة، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبررًا آليًا لزيادة الأعباء من دون النظر إلى القدرة الفعلية للمواطن على الدفع. فالعدالة الضريبية لا تعني فقط أن يدفع الجميع، بل أن تتناسب المساهمة مع القدرة على التحمل.
المواطن اللبناني لم يعد يحتاج إلى مزيد من الشعارات والخطابات الشعبوية للسلطة. هو يحتاج إلى دولة تشرح له أين تذهب أمواله، وكيف تُدار المالية العامة، وما الذي تفعله لإعادة بناء الاقتصاد، ومتى سيبدأ الإصلاح الحقيقي. أما أن ترتفع الرسوم كلما ارتفع سعر الصرف، بينما تبقى الإصلاحات الأساسية معلقة، فهذا يخلق شعورًا متزايدًا بأن الدولة لا تتعامل مع المواطن كشريك في عملية الإنقاذ، بل كمصدر سهل للإيرادات ولنهب جيوب المواطنين. الأخطر من ذلك أن هذه السياسة قد تضرب الطبقة الوسطى التي تشكل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فكل زيادة في الرسوم، مهما بدت صغيرة على الورق، تصبح عبئًا كبيرًا عندما تتراكم مع أسعار الغذاء والدواء والنقل والتعليم والكهرباء وسائر الخدمات. ومع استمرار هذا المسار، يتحول المواطن من دافع للضرائب إلى شخص يكافح فقط للحفاظ على مستوى معيشته.
الإصلاح المالي ضروري، والدولة تحتاج إلى موارد لتمويل خدماتها ومؤسساتها، ولا يمكن إدارة دولة حديثة من دون نظام ضريبي فعال. لكن الإصلاح لا يكون عبر مد اليد إلى جيوب المواطنين بصورة متكررة، فيما تبقى مكامن الهدر والفساد والتهرب الضريبي والاختلال المصرفي والمالي من دون معالجة حاسمة.
إن تكييف الرسوم والضرائب مع سعر الصرف من دون إصلاح مصرفي ومالي ونقدي متكامل ليس إصلاحًا بحد ذاته، بل قد يتحول إلى وسيلة لتثبيت نتائج الانهيار على كاهل المواطن. والضحك على الناس لا يكون فقط بالكلام غير الصادق؛ أحيانًا يكون بتغيير اسم العبء، فيما يبقى العبء نفسه (من ضريبة ورسم إلى تكييف مع سعر الصرف). فإذا كانت الدولة تريد فعلًا إنقاذ الاقتصاد، فلتبدأ من حيث يجب أن تبدأ: من إصلاح النظام المالي والمصرفي، واستعادة الثقة، ومحاسبة المسؤولين عن الخلل (يجب أن نبني وطنًا على أساس نظام جديد لأن السارق لا يحاسب نفسه)، ثم بناء نظام ضريبي عادل لا يجعل لقمة عيش المواطن الحلقة الأضعف في كل خطة إنقاذ. وإلا فإن الدولة لن تكون قد أصلحت الأزمة، بل ستكون قد أعادت توزيع كلفتها بطريقة أكثر قسوة على من لا يملك القدرة على الاحتمال.
