زيفٌ في حقيقته.. وحقيقةٌ في عالمه

 

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

كنت مُزيَّفًا في عقلي وصنعتني فكرة لأكون حقيقيًا

عندما تجد نفسك فجأة وبدون سابق إنذار وسط سراب لا منتهى له ولا حدود، فثق بأن فكرك يتبلور على نحو آخر ومغاير عن حدود التفكير العادي؛ فكون معطيات التفكير قد أغرتها سيمات التأمل، توقع أن تكون في الدائرة السرابية الهلامية التي ستحمل في ثناياها الكثير من الزيف الذهني والكثير من اليقظة الفكرية.

هذا الزيف في حقيقته لا يعدو أن يكون حقيقة في عالمه؛ لأن تشكُّله السرابي هو عنوانه وإطاره، والعنوان يصنع الإطار كما إن الإطار مصنوع من العنوان، وكلاهما يلتقيان في الزيف الذهني للعقل (أي عقل)، بينما يمتزجان في عالمهما الحقيقي. هذا بحد ذاته صورة عاكسة لكل ما هو مناقض ظاهره لباطنه، وحقيقة صادقة وواقعية للعالم الخفي الذي ليس بالضرورة أن يكون مرئيا كي يكون حقيقيا. الهواء حقيقي لكنه غير مرئي، الذبذبات المرسلة والمستقبلة حقيقية لكن لا تدرك حتى مصدها العقلي (الذهني).

والكثير من عوالم الحياة المرفرفة على الدوام في عالم الخفاء، جلها لم يكتشف، ومعظمها لا يدرك، وأكثرها لا يرى. عوالم متداخلة في التفكير وممتزجة في تصنيف الإدراك، فتارة تتشكل على هيئة تصرفات وأفعال، وأخرى تتعنون على صورة تلميحات وإيماءات. أحيانًا يكون مصاحب هذا اللامرئي بالزيف الحقيقي لكنه يبقى في حقيقة الزيف طوعًا. يبقى تشكيلا واضحا لمنظومة عقلية معقدة من منهجية التكيف الذهني؛ تكيفًا ملزمًا وملتزمًا بالقاعدة الرئيسة لكل ما هو منظَمًا ورصينًا للعقلية الطبيعية الناضجة.

نجلس مطمئنين تحفُّنا سكينة المكان وهدوؤه، فجأةً تنبثق شرارة فكرية تأملية تساؤلية من أعماق تراكمات عقلنا، تصاحبها حيرة وشغف الإجابة.. الذي يجلس في الطائرة المحلقة فوق رؤوسنا الآن- أيًا كان- لا يرانا، ولا يشعر بوجودنا، بينما نحن نراه، نستشعر وجوده في الطائرة. كيف للعقل (عقلنا) أن يسافر معه وهو لا يشعر، وكيف نستشعر هذا الشعور، ونحن في قرارة أنفسنا نقول: ما الجدوى من ذلك وما الفائدة من هذا الشعور والاستشعار؟!

هذه الأسئلة بحد ذاتها زيف من حقيقة وحقيقة من زيف. لكن في الحقيقة هي مدخلا واسعا وضيقا لنمط التفكير، واسعا لمعايشة الخيال والاقتطاف من ثماره الفكرية المغذية للعقل، وضيقا لقتامة التفكير في اللاشيء، سوادًا في نهج الإدراك؛ حيث لا فائدة من الإجابة أي كانت نتيجتها. الكثير من العقول لا تستسيغ؛ بل لا تريد أن تفكر على هذا النهج، أو في الأساس لا يخطر على بالها هذا النهج. ولذلك صنفت العقول والشخصيات بأنماط تفكيرية مختلفة ومتباينة (سمعي، بصري، حسي).

لا تلومن أي نهج تفكيري إن وجدته لا يتناسب مع نهج تفكيرك. الحقيقة الدمغة لماهيات الأشياء لا يعرف كنهها ولا طبيعتها إلا المتبحر والغارق بعمق في ثنايا تفكير تكوين الأشياء، وإدراك بأنه سيكون هناك عدم الإدراك أحيانًا، هذا العدم هو متنفس صحي للعقل، ونبض متأجج للسبر في أغوار الغموض. نعم غموض وليس ضبابية، غموض لأنه حقيقي، ولكنه غير مدرك، وكما أسلفت فالحقيقة ليس بالضرورة أن تكون واضحة لتصبح حقيقة. ترنو بنا الأحداث في امتزاجات الحياة المختلفة بمواقف أشخاصها، لتظهر لنا بأن الخفاء أقوى من الظهور، والسر القوي لمعنى قيمة العقل يكمن في الخفاء.

هل استشعرت يومًا قوة الخفاء وهو يتلون في ثياب الواقع؟ هل تحسست يوما تأثير الخفاء وهو يدلك ويلهمك إلى طريق الاستكشاف المعرفي والعلمي؟

بالتأكيد لا تتذكر؛ لأنه في الحقيقة منهاج مترابط مع سلسلة التفكير؛ سواء أكان ابتكاريًا أم إبداعيًا؛ فعندما تجد نفسك فجأة وبدون سابق إنذار وسط سراب لا منتهى له ولا حدود، فثق بأن فكرك يتبلور على نحو آخر ومغاير عن حدود التفكير العادي، ثِقْ بأن المتوالية الفكرية في نهج تفكيرك تسير على النهج السليم والرصين لمعنى التأمل الحقيقي في ماهية الأشياء؛ فاطمئن!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z