المواطن والسنُّورة وثقل فاتورة الكهرباء

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

قد يظن القارئ للوهلة الأولى أن عنوان هذا المقال يحمل شيئًا من الطرافة، وما علاقة السنورة بفاتورة الكهرباء؟ لكن خلف هذه الطرفة تختبئ قصة حقيقية، تعكس همًّا يتردد في كثير من المجالس، ويتكرر في أحاديث المواطنين كلما حلّ الصيف وارتفعت درجات الحرارة، ومعها ارتفعت فواتير الكهرباء.

ففي بلادٍ تتجاوز فيها درجات الحرارة الأربعين والخمسين درجة مئوية، لا تُعد الكهرباء رفاهية، بل شريانًا للحياة، ولذلك فإنَّ كل فاتورة مرتفعة لا تُقرأ بالأرقام فقط، بل بما تتركه من أثر في ميزانية الأسرة. ومن هذا المنطلق، وجدت نفسي هذا الصيف أمام فاتورة كهرباء لم أستطع استيعابها؛ فبعد اطلاعي على تقرير قراءة العداد الذكي، فوجئت بأنَّ استهلاك الكهرباء في منزلي تجاوز 8 آلاف كيلوواط ساعة، وهو رقم أثار دهشتي، ليس بسبب قيمته المالية فقط، وإنما لأنني وأسرتي كنَّا خارج البلد معظم تلك الفترة، ولم تتجاوز نسبة وجودنا فيه نحو 30% من إجمالي الشهرين.

ووفق التعرفة المعمول بها، فإنَّ قيمة استهلاك الكهرباء ترتفع تدريجيًا مع الانتقال من شريحة إلى أخرى، فكلما زاد الاستهلاك ارتفعت قيمة الكيلوواط، وبالتالي ترتفع الفاتورة بصورة كبيرة، وهو ما يجعل تجاوز بعض الشرائح يضاعف العبء المالي على المشترك.

ولعل ما لفت انتباهي أكثر، هو تلقي اتصال هاتفي من إحدى موظفات شركة نماء، تبلغني فيه بأن سبب ارتفاع الفاتورة يعود إلى زيادة الاستهلاك. وللأمانة، كانت تلك أول مرة أتلقى فيها مثل هذا الاتصال؛ إذ اعتدنا أن يكون المواطن هو من يُبادر بالاتصال والاستفسار عن أسباب ارتفاع الفاتورة، لا العكس.

شرحت للموظفة بكل هدوء أنني كنت خارج المنزل طوال تلك الفترة تقريبًا، وأن المنطق يقول إن الاستهلاك يفترض أن ينخفض لا أن يرتفع، خصوصًا وأن العدادات أصبحت ذكية، ومن المفترض أن تعكس نمط الاستهلاك بدقة.

لم يكن هدفي الاعتراض لمجرد الاعتراض، أو التشكيك في نظام القراءة، وإنما كنت أبحث عن تفسير منطقي لحالة لم أستطع فهمها، خصوصًا أنني أعرف جيدًا نمط استهلاك منزلي.

والحقيقة أن ما حدث معي ليس حالة فردية؛ فارتفاع فواتير الكهرباء أصبح حديث المجالس واللقاءات، خاصة خلال أشهر الصيف؛ حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تجعل تشغيل أجهزة التكييف ضرورة لا خيارًا؛ فالمواطن لا يشغل المكيف طلبًا للترف، وإنما هربًا من حرارة لا تُطاق.

وأثناء حديثي مع عدد من الأصدقاء حول هذا الموضوع، روى أحدهم قصة طريفة، لكنها تعكس في الوقت نفسه حجم الاستغراب الذي يعيشه كثير من الناس؛ فقد سافر مع أسرته خارج السلطنة، ولم يبق في المنزل سوى "سنورة". ومن باب الرحمة بها، أوصى ابنه بأن يشغل المكيف لها في أوقات محددة حتى لا تتأثر بحرارة الجو.

وعندما عاد، فوجئ بفاتورة كهرباء مرتفعة جدًا.

اعتقد الرجل أن هناك خطأ، فتوجه إلى صالة شركة نماء، وهو يحمل جوازات السفر وتذاكر السفر لإثبات أن الأسرة كانت خارج البلاد طوال تلك الفترة، ورغم ما قدمه من مستندات، إلا أن الرد كان أنَّ عليه سداد المبلغ.

وأثناء النقاش، لم يتمالك أحد الحاضرين نفسه- لا أعلم إذا ما كان موظفًا أو مراجعًا- فقال مازحًا:

"يمكن السنورة كانت تفتح المكيفات وتتنقل من غرفة إلى أخرى!".

ضحك الجميع، لكن تلك العبارة الساخرة كانت تختصر حالة الدهشة التي يعيشها كثير من المواطنين عندما يجدون أن قيمة الفاتورة لا تتوافق- من وجهة نظرهم- مع نمط استخدامهم للكهرباء.

وفي نهاية المطاف، فإن أغلب المواطنين، بمن فيهم صاحب هذه القصة وأنا أيضًا، سيقومون بسداد الفاتورة، ليس اقتناعًا بها بالضرورة، وإنما خوفًا من تراكم المديونية، أو انقطاع الخدمة، وما يترتب على ذلك من إجراءات لإعادتها أو الدخول في طلبات التقسيط.

ولأن القضية لم تعد تخص منزلًا واحدًا، بل أصبحت تمس آلاف الأسر، فإنها تستحق الدراسة والمراجعة، خاصة خلال أشهر الصيف التي ترتفع فيها درجات الحرارة بصورة استثنائية، ويصبح استهلاك الكهرباء أمرًا لا مفر منه.

ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في منظومة دعم الكهرباء خلال فصل الصيف، بما يخفف الأعباء عن المواطنين الذين فرضت عليهم طبيعة المناخ استهلاكًا أعلى للطاقة. كما أرى أهمية إعادة الدعم الذي كان يستفيد منه كبار السن قبل أن يقتصر على شرائح محددة، فارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات أصبح يشكل عبئًا على كثير من الأسر، ويستدعي مراجعة هذه السياسات بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية.

إنَّ إعادة هذا الدعم، أو زيادة قيمته، لن تكون مجرد مساعدة مالية، بل ستنعكس بصورة مباشرة على استقرار الأسرة؛ فالمبلغ الذي يحصل عليه المواطن بوصفه دعمًا لا يخرج من الدورة الاقتصادية؛ بل يعود في جزء كبير منه إلى خزينة الدولة من خلال سداد رسوم الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه. ومن هنا، فإن توسيع نطاق المستفيدين من الدعم، أو إعادة العمل به للفئات التي كانت تستفيد منه سابقًا، سيكون خطوة تستحق الدراسة لما لها من أثر اجتماعي واقتصادي إيجابي.

المواطن لا يطالب بإلغاء الفاتورة، ولا بالحصول على الكهرباء مجانًا، وإنما يطمح إلى فاتورة عادلة، وإلى منظومة يشعر معها بأن الظروف المناخية الاستثنائية تؤخذ في الحسبان، وأن الدعم يصل إلى من يحتاجه، خاصة في أشهر الصيف التي لا يمكن فيها الاستغناء عن أجهزة التكييف.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين مع كل صيف:

هل أصبح المواطن يدفع ثمن حرارة الصيف، أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر في آليات الدعم والتعرفة بما يحقق التوازن بين استدامة الخدمة وتخفيف الأعباء عن الأسر؟

الأكثر قراءة

z