أسماء عوض باقوير
المواطن يبحث عن الرخاء في وطنه، والسعادة في بلده، والاستقرار الذي يتمناه كل إنسان لوطنه وأسرته. وهذه المطالب ليست ترفًا ولا أحلامًا مبالغًا فيها، وإنما هي من أبسط ما يتطلع إليه المواطن في وطنه، ومن حقه أن يجد ما يعينه على حياة كريمة ومستقرة.
لقد قام المواطن العماني بدوره في خدمة وطنه، وشارك في مسيرة البناء، كلٌّ من موقعه، وتحمل مسؤولياته تجاه وطنه ومجتمعه. ومن الطبيعي، في المقابل، أن يتطلع إلى أن تنعكس مسيرة التنمية على حياته، وأن يجد أثرها في فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، والاستقرار الأسري، والقدرة على بناء مستقبل آمن.
ومن أبرز ما يشغل المواطن اليوم قضية الشباب وفرص العمل. فما زال هناك شباب يبحثون عن عمل، وشباب آخرون يعملون برواتب محدودة لا تتناسب مع متطلبات الحياة، بينما يعمل بعضهم بعقود مؤقتة لا تمنحهم الاستقرار الكافي للتخطيط لمستقبلهم، أو بناء منزل، أو تحمل مسؤوليات أسرة.
وهنا لا نتحدث عن وظيفة فقط، بل عن حياة كاملة تتشكل حولها.
فحين يجد الشاب عملًا، لكنه لا يستطيع براتبه أن يؤسس حياة مستقرة، فإن المشكلة لا تنتهي بمجرد خروجه من قائمة الباحثين عن عمل. وحين يعمل بعقد مؤقت، فإن حصوله على الوظيفة لا يعني بالضرورة حصوله على الأمان الوظيفي. وحين ترتفع تكاليف الحياة بينما تبقى قدرة الدخل محدودة، فإن الفجوة بين احتياجات المواطن ودخله تصبح قضية اجتماعية واقتصادية تستحق النظر والمعالجة.
ولا يمكن النظر إلى دخل المواطن بمعزل عن حجم المسؤوليات التي يتحملها؛ فالمواطن لا يدفع فاتورة واحدة، وإنما يواجه سلسلة من الالتزامات التي تتراكم عليه حتى تكاد تثقل كاهله.
فكيف يستطيع أن يوازن بين متطلبات الحياة التي لا تنتهي، واحتياجات أبنائه، ومستقبل أبنائه الخريجين الذين ما زالوا يبحثون عن عمل، وأبنائه الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة أو في الجامعات؟
وتزداد المسؤولية حين يكون المواطن عائلًا لوالديه، أو يتحمل نفقات أحد إخوته أو أخواته ممن لم يجدوا الاستقرار الأسري، أو ممن مروا بظروف كالطلاق أو الترمل، فيجد نفسه أمام أسرة ممتدة ومسؤوليات متعددة، بينما دخله محدود والتكاليف في ازدياد.
فلا ينبغي أن يتحول راتب المواطن إلى مجرد محاولة مستمرة لسداد الفواتير والالتزامات، حتى ينتهي الشهر قبل أن يعرف أين ذهب راتبه، أو كيف يستطيع أن يدخر لمستقبله ويبني مسكنًا لأسرته ويؤمّن حياة كريمة لأبنائه.
المواطن الذي يعمل ويكدّ ويؤدي واجبه تجاه وطنه، من حقه أن يكون قادرًا على أن يعيش، لا أن يظل طوال حياته يلاحق الالتزامات. ومن حقه أن يستطيع أن يبني مستقبل أبنائه، لا أن يحمل وحده عبء بطالة أبنائه وارتفاع تكاليف الحياة وتعدد المسؤوليات الأسرية.
والشباب ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الباحثين عن عمل، وإنما هم أبناء هذا الوطن، وطاقة إنتاجية، وقوة بشرية يُبنى عليها مستقبل البلاد. وتمكينهم اقتصاديًا ليس منفعة فردية للشاب وحده، بل استثمار في الأسرة والمجتمع والوطن بأكمله.
ومن هنا، فإن دعم المواطن لا ينبغي أن يقتصر على توفير الوظيفة، بل يجب أن يمتد إلى تخفيف الأعباء الأساسية التي تستنزف دخله.
وعليه، فإن من الحلول التي أرى أنها تستحق النظر بجدية إلغاء فواتير الكهرباء والمياه عن المواطن العماني، باعتبارهما من أساسيات الحياة التي لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.
فإذا كان الهدف هو تحسين مستوى معيشة المواطن وتمكينه من بناء مستقبله، فلماذا لا يكون تخفيف هذه الأعباء جزءًا من الحل؟
إن المواطن الذي يتحمل تكاليف السكن والغذاء والتعليم والنقل والعلاج، ويعيل أبناءً يدرسون أو يبحثون عن عمل، وقد يتحمل كذلك مسؤولية والديه أو بعض أفراد أسرته، يحتاج إلى أن يجد في وطنه ما يخفف عنه الأعباء.
وإلغاء فواتير الكهرباء والمياه عن المواطن ليس مجرد إعفاء من فاتورة، بل هو دعم مباشر للأسرة، ومساحة إضافية من الدخل يستطيع المواطن أن يوجهها إلى احتياجات أبنائه، أو سداد التزاماته، أو بناء مسكنه، أو الادخار لمستقبل أسرته.
وقد يكون من الممكن وضع آليات واضحة لهذا الدعم تضمن توجيهه للمواطن المستحق، مع الحفاظ على كفاءة استخدام الموارد وعدم تحميل الدولة أعباء غير مدروسة. فالمقصود ليس إلغاء المسؤولية، وإنما إعادة ترتيب الأولويات بما يجعل المواطن يشعر بأثر التنمية في حياته.
فالتنمية لا تُقاس فقط بعدد المشروعات التي تُنجز، ولا بحجم ما يُبنى ويُشيد، وإنما تُقاس أيضًا بما تصنعه هذه التنمية في حياة الإنسان:
هل أصبح أكثر استقرارًا؟
هل أصبح قادرًا على بناء أسرته؟
هل أصبح الشاب قادرًا على العمل والإنتاج وتحقيق طموحه؟
وهل يشعر المواطن أن مستقبله يسير إلى الأفضل؟
ومن وجهة نظري، فإن الحديث عن هذه المطالب ليس انتقادًا للوطن، ولا خروجًا عن الإطار الوطني، بل هو صوت مواطن يريد لوطنه مزيدًا من القوة والاستقرار والازدهار؛ لأن المواطن المستقر هو أساس المجتمع المستقر، والشباب المُمكَّن هو أساس المستقبل القادر على الاستمرار.
وبعد رحيل السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله تعالى، الذي ارتبطت مسيرته ببناء الدولة العمانية الحديثة، يواصل الوطن مسيرته بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، وفي كل مرحلة جديدة تتجدد احتياجات المجتمع وتطلعاته، ويظل الإنسان هو المحور الذي ينبغي أن تلتقي حوله أهداف التنمية.
والشعب لا يطلب المستحيل، وإنما يطلب أن يرى أثر التنمية في حياته، وأن يشعر بأن مستقبله حاضر في حسابات التخطيط وصنع القرار.
فإذا كانت التنمية من أجل الإنسان، فإن الإنسان يجب أن يكون أول من يشعر بثمارها.
وإذا أردنا وطنًا قويًا ومستقرًا، فعلينا أن نبدأ من المواطن؛ من قدرته على العمل، ومن استقرار أسرته، ومن مستقبل أبنائه، ومن قدرته على أن يعيش دون أن يستهلك راتبه بالكامل في ضرورات الحياة.
فالمواطن الذي يشعر بالاستقرار سيكون أكثر قدرة على العطاء، وأكثر قدرة على بناء أسرته، وأكثر استعدادًا للمشاركة في نهضة وطنه.
وهذه ليست مطالبة بمزايا إضافية، وإنما دعوة إلى أن يكون الإنسان في قلب التنمية، وأن يتحول أثرها من أرقام ومشروعات إلى حياة أفضل يعيشها المواطن بالفعل.
فالوطن القوي هو الذي تقوى فيه حياة الإنسان، والشعب المستقر هو الذي يستطيع أن يبني المستقبل بثقة، والشباب الذي يجد الفرصة هو الذي يحمل راية الوطن إلى الأمام.
