وداد الإسطنبولي
هل يمكن لورشتين تحملان العنوان نفسه أن تقوداك إلى عالمين مختلفين؟ كنت أظن أن الإجابة: لا، حتى حضرت الورشتين.
جلست في ورشتين، وكلتاهما حملت عنوانًا واحدًا: "أساسيات كتابة الرواية". ظننت أنني سأسمع الكلام نفسه بصوتين مختلفين، لكنني خرجت باكتشاف مغاير. ولم أكن وحدي؛ فقد شاركني أحد المشاركين التساؤل ذاته: لماذا تُقام ورشة أخرى تحمل العنوان نفسه؟
أخرجت دفتر ملاحظاتي، وقررت ألا أدوّن ما يُقال فحسب، بل أن أكتشف كيف يرى كلٌّ من الروائيين الرواية، وما الذي سأحمله معي من كل ورشة.
بدأ الروائي سعود السنعوسي، الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية، بسؤال ضمني: كيف تكتب رواية تُقنع القارئ؟ انطلق من هندسة البناء الروائي وتقنياته، واهتم بتحويل الفكرة إلى عمل فني متماسك. واستفدت من ورشته مصطلحات كنت أعرفها، لكنها جاءت بمعانٍ أعمق ورؤية مختلفة، مثل: الإظهار، والإخبار، وتوازن العناصر، وغيرها. بدا السنعوسي وهو يتعامل مع الرواية بوصفها حرفة وصنعة، لها أدواتها وتقنياتها التي يمكن تعلّمها وإتقانها.
أما الكاتب والروائي والأكاديمي سنان أنطون، فقد فتح لنا نافذة أخرى حين سأل: "لماذا نكتب؟". كان سؤالًا عميقًا، تتفرع منه أسئلة كثيرة. عندها أدركت أنني أمام مدرستين؛ فالاختلاف لم يكن في المبادئ، بل في زاوية النظر. الأول علّمنا كيف نمسك بالأدوات، والثاني دفعنا إلى أن نسأل: لماذا نكتب أصلًا؟ وكلاهما قادنا إلى التأمل.
أنا هنا لا أفاضل بين أحد، بل أتوقف عند اختلاف نقطة الانطلاق. وكلاهما حمل رواياته معه إلى الورشة، غير أن السنعوسي بدا أكثر ميلًا إلى الفصل بين تجربته الشخصية وتقنيات البناء الروائي، مركزًا على صناعة الرواية وكيفية تشييدها.
أما سنان أنطون، فبدت لي تجربته الشخصية وذاكرة العراق تتسللان إلى حديثه. خُيّل إليّ أن في صوته أثر فقد، وصدى حرب، وثقل ذاكرة، وكأن سؤاله: "لماذا نكتب؟" لم يكن سؤالًا نظريًا، بل سؤالًا وُلد من تجربة إنسانية عميقة.
لم تكن الورشتان متنافستين، بل كانتا مدرستين تلتقيان عند الرواية، وتفترقان في الطريق إليها.
خرجت من ورشة سعود السنعوسي وأنا أحمل أدوات أكثر، وخرجت من ورشة سنان أنطون وأنا أحمل أسئلة أكثر.
الأدوات تعلّمنا الكتابة، أما الأسئلة فربما تجعلنا كُتّابًا.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر إلى الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء على اهتمامها بتنظيم مثل هذه الورش النوعية، واستضافة أدباء وروائيين من خارج السلطنة، بما يفتح أمام الكتّاب آفاقًا جديدة للتعلّم والحوار.
