كليات العلوم الإنسانية: بين مطرقة جودة التعلم العالمية وسندان الذكاء السيبراني (1-3)

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

في زمن تندك فيه حدود المكان والزمان، وتصبح فيه العوالم ومضًا من الخيال، قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وفي عصر تتشابك فيه الخيوط الرقمية فتنشئ نسيجًا معرفيًا لم تعرفه البشرية من قبل قط، وتتلاشى فيه الفروق بين الحقيقة والافتراض في عوالم هلامية افتراضية كالميتافيرس الذي يخترق ويسلب العقول قبل أن يغزو الفصول وقاعات المحاضرات، وتتحول فيه المعرفة من ذُخرٍ مصون وكنز محفوظ في رفوف المكتبات إلى تيار متدفق وبحر متلاطم في فضاءات عارمة لا تحدها جدران المكان ولا تكسرها حواجز الزمان، ولا تقف دونها عوائق، تشمخ كليات العلوم الإنسانية - التربية والقانون والشريعة وعلم النفس وعلم الاجتماع - اليوم على أعتاب مرحلةٍ من أخطر مراحل التاريخ الأكاديمي انفصالًا وغرابةً وتعقيدًا، حيث تتأرجح فيها الممارسات التعليمية بين مطرقة معايير جودة التعلم العالمية التي تضرب بقوة لتقويم الاعوجاج وضبط المسارات، وتقويم الممارسات في أرض الواقع، وبين سندان الذكاء السيبراني الذي يطرق بتسارع متلاطم لتشكيل المعرفة في قوالب فريدة جديدة لم تعهدها الأجيال السابقة تناقضًا. وإذا كان لكل أمةٍ من الأمم لحظةٌ فارقةٌ تعيد فيها تعريف نفسها ونسج رسالتها ورؤيتها، فإن هذه اللحظة هي لحظة كليات العلوم الإنسانية بامتياز، لحظة تتبدى فيها الأسئلة الجوهرية المفصلية: ما مغزى أن تكون مربيًا في عصرٍ تصنع فيه الخوارزميات القرارات التربوية الفاصلة؟ وما فحوى أن تكون محاميًا في عصرٍ يتحاكم فيه البشر إلى أنظمة عدالة إلكترونية افتراضية؟ وما دلالة أن تكون عالمًا شرعيًا في عصرٍ تطرح فيه الآلات أسئلةً لم يسبق للفقهاء القدماء أن تعرضوا لها؟ وما تفسير أن تكون عالمًا نفسيًا أو اجتماعيًا في عصرٍ تحلل فيه الخوارزميات السلوك البشري قبل أن يدركه الإنسان المعاصر نفسه في لمحة بصر، التي تختصر الأزمنة، وتنطوي فيها الأعصار كطي السجل للكتب؟

فتلك التخصصات الإنسانية تشترك في أزمةٍ جوهريةٍ واحدة، وتقف أمام معركة حامية الوطيس، وإن اختلفت مظاهرها، وتعددت مساراتها، وتشبعت مضامينها، ألا وهي الفجوة المتسعة بين النظرية والتطبيق، والانفصال المؤلم بين ما يدرسه الطالب في قاعات المحاضرات وما يواجهه في ميادين العمل والحياة المترامية الأطراف. فطالب علم النفس يدرس نظريات التعلم والسلوك الإنساني والاضطرابات النفسية في كتبٍ نظريةٍ، لكنه حين يواجه مريضًا حقيقيًا يجد أن النظريات لا تتطابق مع الواقع الحقيقي المعقد، وأن التقويم الورقي الذي مر به لم يهيئه لهذه المواجهة الصادمة المؤلمة. وطالب علم الاجتماع يقرأ عن النظريات الاجتماعية المختلفة والظواهر المجتمعية المتنوعة، لكنه حين يخوض غمار تحليل مجتمعٍ حيٍّ بتفاعلاته المعقدة يكتشف أن ما تعلمه في المدرجات النظرية لا يصلح لفهم ما يجري في الشوارع والساحات ومسرح الحياة الواقعية. وهكذا تتكرر المأساة في كليات التربية التي تخرج معلمين يحفظون فقط نظريات التعليم والتعلم وعلم النفس التربوي، لكنهم يقفون عاجزين، مقهورين، مشدوهين، حيارى أمام فصلٍ دراسيٍّ مليءٍ بطلابٍ متبايني الخلفيات والقدرات والاحتياجات والبنى المعرفية. وكليات القانون، التي قد تخرّج محامين وقضاة وباحثين قانونيين وأعضاء ادعاء عام ومحققين جنائيين، يحفظون النصوص، لكنهم يرتبكون واهنين أمام تعقيدات الحياة الواقعية وسوابق القضاء المتشابكة، وأثناء التحقيق في الجرائم الإلكترونية المعقدة العابرة للقارات. وفي ذات الوقت، تخرّج كليات الشريعة فقهاء حفظةً للمتون وأقوال الفقهاء القدماء والمحدثين، دون استيعاب معانيها أو استنباط أحكامها، فهم كحارسٍ أُودع مفاتيح الخزائن، فحفظ نقوشها وبريقها، لكنه عجز عن تدويرها في الأقفال، فبقي على باب العلم واقفًا حائرًا، وفي ظلمة الجهل محدقًا، لا هو انتفع بما حمل، ولا هو استجلى خفايا ما نقل، فيقفون متشككين مبهوتين أمام نوازل العصر التي لا تجد لها أثرًا مسطرًا في كتب الفقه القديم.

وهذه المفارقة الصعبة ليست عابرةً ولا طارئةً، بل هي نتاجٌ طبيعيٌّ لمناهج اعتمدت على الحفظ والتلقين الأصم والاختبارات الورقية التي تقيس الاستظهار لا الفهم، والكمَّ لا الكيف، والتذكرَ لا التفكير والتحليل والتقويم والابتكار. وكأنما تحولت بعض تلك الكليات إلى معاهد للترديد لا إلى كليات لمستويات التفكير العليا، وإلى مصانع لحفظ المعلومات لا إلى مختبرات فعالة لإنتاج المعرفة وإعادة تدويرها. وكأنما التقويم فيها أصبح غايةً في حد ذاته، لا وسيلةً لقياس التقدم وتحسين الأداء، فأصبح الطالب يدرس للامتحان لا للحياة، ويحفظ للنجاح لا للفهم، ويتذكر للدرجة لا للتطبيق. وهذا الانفصال بين النظرية والتطبيق، وهذا الجمود في مناهج التقويم، وهذا الاعتماد المفرط على الامتحانات الورقية، كلها عوامل أدت إلى تراجع جودة المخرجات، وإلى اتساع الفجوة بين ما تنتجه الجامعات وما يحتاجه سوق العمل والمجتمع، وإلى أن تجد بعض المؤسسات نفسها تحت مجهر الملاحظة الأكاديمية، وهي ترقب مصيرها بقلقٍ ووجلٍ.

إن دراسة القانون لا تقوم على حفظ النصوص التشريعية وحدها فقط، بل تتطلب الغوص في أعماق السوابق القضائية، وتحليلها، والربط الوثيق بين النظرية والتطبيق، والقدرة على حل المشكلات المعقدة التي تفرزها الحياة المتغيرة، فلا يكون طالب القانون مجرد ناقلٍ للقوانين، بل فقيهًا في تطبيقها، ومجتهدًا في استنباط أحكامها، وقادرًا على مواجهة قضايا العصر الرقمي التي لم تكن معروفة من قبل. وأما دراسة الشريعة، فهي أرفع منزلةً وأعمق غورًا، إذ تتطلب الإلمام بالأحكام الشرعية في مصادرها التفصيلية المعروفة، والتدرب على الفتوى والاجتهاد في النوازل المستجدة، وفقه المعاملات المالية المعاصرة، وابتكار أساليب لتنمية واستثمار الأوقاف وبيت المال، مع الاضطلاع بالخطاب الديني الوسطي وبناء القيم والأخلاق في نفوس الناشئة: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة: 143]. أما علم النفس فيتطلب الانتقال من النظريات المجردة إلى التطبيقات العملية في العيادات والمدارس والمؤسسات ودور الإصلاح، ومن الاختبارات الورقية إلى المقابلات التشخيصية والتدخلات العلاجية، ومن قياس المعلومات إلى قياس المهارات والكفايات. وعلم الاجتماع يقتضي الخروج من قاعات المحاضرات إلى ميادين البحث الميداني، وتحليل الظواهر الاجتماعية المعقدة، وفهم التحولات المجتمعية في عصر العولمة الرقمية. وكليات التربية مطالبةٌ بأن تنتقل من تدريس النظريات التربوية إلى التدريب العملي على استراتيجيات التدريس وإدارة الصفوف وتوظيف التقنيات الحديثة في المواقف التعليمية، وأن تجعل من التقويم أداةً للتحسين لا للتخويف، ووسيلةً للتعلم لا للحكم والإقصاء.

إن نظم جودة التعلم العالمية التي تضرب الآن بمطرقتها على أبواب هذه الكليات لم تكن وليدة اللحظة، بل هي ثمرة عقودٍ من السعي نحو ضمان مخرجات تعليميةٍ قادرةٍ على منافسة الأسواق العالمية المتقدمة، وقد استلهمت هذه النظم روحها من تجارب الأمم الرائدة التي جعلت من الجودة الشاملة ثقافةً قبل أن تكون سياسةً. ففي فنلندا، التي تتصدر المشهد التعليمي العالمي منذ عقود، جُعلت نظم الجودة رفيقًا للتطوير لا سوطًا للتقييد، إذ اشترطت في معلميها درجة الماجستير ليصبحوا باحثين قبل أن يكونوا ملقنين. ولئن كان هذا الشرط يبدو للوهلة الأولى مجرد متطلب أكاديمي، فإنه في عمقه فلسفة تربوية تقول: إن من يعلّم الآخرين ينبغي أن يكون قد تعلم كيف يبحث، وكيف ينقد، وكيف يبتكر، لا كيف يلقّن ويستظهر فحسب. ومما يزيد الأمر عمقًا أن الالتحاق ببرامج إعداد المعلمين في فنلندا يعتبر من أشد وأعتى البرامج تنافسيةً في العالم، إذ لا يُقبل منها سوى أفضل 10% من المتقدمين، وهذا يعني أن مهنة التعليم في فنلندا ليست ملجأً للعاجزين، وملاذًا آمنًا للفئات الأضعف والمهمشة في المجتمعات، بل هي قمة الطموح للأكثر تميزًا. وليس هذا فحسب، بل إن النظام التعليمي الفنلندي مبني على الثقة في المعلمين ومنحهم استقلاليةً واسعةً في اختيار أساليبهم ووتيرتهم ومناهجهم، فقد أُلغي نظام التفتيش المدرسي منذ أوائل التسعينيات، وحل محله نظام يقوم على الثقة والمسؤولية. وهنا يكمن الدرس العميق: أن الجودة لا تُفرض من فوق بقدر ما تُزرع من الداخل، وأن المعايير حين تكون أداة تمكينٍ لا أداة رقابةٍ، فإنها تطلق العنان للإبداع بدلًا من أن تخنقه. ففي معقل القرارات الصاعدة التي تنظر إلى الجودة كزراعة داخلية لا فرض علوي، تدرك، آنذاك، أن المعايير حين تكون أدوات تمكين لا رقابة، تتحرر الطاقات وتنطلق الإبداعات. أما النظرات الهابطة فترى في الجودة قيودًا، وفي المعايير أسوارًا، فتحول المؤسسة إلى سجن بيروقراطي يخنق الإبداع ويطفئ الحماس. فالجودة تُزرع من الداخل بالثقة، وتنمو بالتمكين، وتثمر بالحرية، لا بالأوامر النافذة ولا بالرقابة اللاحقة.

ومضت سنغافورة الرائدة في طريقٍ مختلفٍ، لكنه موازٍ لذلك النهج والنسق المعرفي، إذ جعلت من كليات التربية والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع مراكز للابتكار ومعامل للإبداع، حيث يدمج الطلاب بين النظرية والتطبيق من خلال المشاريع الميدانية والمحاكاة العملية، ويُقوَّمون بممارسة أنشطة متنوعةٍ تتجاوز طقوس الامتحانات الورقية إلى ملفات الإنجاز والتقويم المستمر، مع التزامٍ صارمٍ بنظم الجودة العالمية التي تراقب مخرجات التعليم وترصد تطوره، وتربطها بسوق العمل. وقد كانت جامعة سنغافورة الوطنية الرائدة سبّاقةً في هذا المجال، إذ طورت، بالشراكة مع مركز الذكاء الاصطناعي للتقنيات التعليمية، منصاتٍ محاكيةً ذكيةً للواقع في مختلف التخصصات، مما أتاح للطلاب ممارسة مهاراتهم في بيئاتٍ تفاعليةٍ واقعيةٍ رقمية. ومما يعزز هذا التوجه في سلطنة عُمان صدور وثيقة الإطار الوطني للمؤهلات، التي اعتمدت عام 2022م، والتي تشكل أداةً محوريةً لوصف المؤهلات ومقارنتها وتصنيفها وفق معايير ومستويات محددة، وترسي معايير واضحة لمخرجات التعلم في كل مستوىٍ من مستوياته العشرة. غير أن بعض المؤسسات التعليمية التي ظنت أنها بمنأى عن رقابة الجودة فوجئت بأن المطرقة التي تضرب اليوم على أبوابها ليست مطرقة حدادٍ يريد تشكيلها، بل مطرقة تقويمٍ تريد قياسها، فكانت النتيجة أن وُضعت تحت مجهر الملاحظة الأكاديمية، لتكون أداة تصحيح لا عقاب، وفرصةً لإعادة ضبط المسار واستيفاء المعايير المرسومة المطلوبة.

وهكذا، تبقى كليات التربية والقانون والشريعة وعلم النفس وعلم الاجتماع، في رحلتها بين مطرقة الجودة الشاملة العالمية وسندان الذكاء، رحلة لا تخلو من وعثاء وتناقض، ولا تخلو من آمال سعيدة، رحلة تختبر فيها قدرتها على سد الفجوة بين النظرية والتطبيق، وتطوير أنظمة تقويمٍ حكيمةٍ مبتكرة تتجاوز الاختبارات الورقية إلى تقويمٍ مستمرٍ حقيقيٍ واقعي يلامس الحقيقة، ويوازن بين متطلبات الجودة وضرورات التكيف مع التحولات الرقمية، ويحافظ على الهوية الرسالية وقيمها الأصيلة، لتخريج طلاب قادرين على المنافسة في سوق عملٍ يتغير بسرعة الضوء. وكأنها تقف على حافة الهاوية؛ إن تقدمت في متاهات التكنولوجيا فقدت روح الإنسانية التي تقوم عليها، وإن تراجعت في رمال الماضي انحسرت عن ركب التطور دون مستقبل. ولكن النجاح في هذه المعادلة الصعبة ليس مستحيلًا، بل هو ممكن إذا ما توافرت القيادة الحكيمة التي تجمع بين صرامة القانون ورحمة التربية، وبين خبرة الماضي وبصيرة المستقبل، وبين الالتزام بالجودة والانفتاح على الابتكار. وهنا يأتي دور الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث سنغوص في أعماق سندان الذكاء السيبراني، ونستكشف كيف يمكن لهذه التقنيات أن تكون أداة تمكينٍ لا تهديدًا، وكيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تحول التحديات إلى فرص، والمخاطر إلى مكاسب، والتهديدات إلى طاقاتٍ إبداعية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z