في حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية

 

 

أ.د دينج لونج**

في قلب مدينة شنغهاي الصينية، انطلقت فعاليات مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في نسخته الحالية، وسط حضور دولي واسع يضم قادة الدول، ورؤساء المنظمات الدولية، وخبراء التكنولوجيا، وممثلي الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي من مختلف أنحاء العالم. لم يكن هذا المؤتمر مجرد منصة لاستعراض أحدث الابتكارات التكنولوجية، بل كان لحظة تاريخية أعادت رسم مسار الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، بعد سنوات من الجدل والانقسام حول كيفية تنظيم هذه التكنولوجيا التي أصبحت تؤثر في كل جوانب الحياة البشرية.

خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ كلمة رئيسة حملت رسائل واضحة ومحددة للعالم أجمع، حيث أكد فيها أن الذكاء الاصطناعي ليس ملكًا لعدد قليل من الدول أو الشركات، بل هو إنجاز تكنولوجي مشترك للبشرية جمعاء، يجب أن يتم توجيهه لخدمة المصالح العامة، وليس لتحقيق مكاسب ضيقة أو فرض هيمنة تكنولوجية على الآخرين. وشدد في خطابه على أن الصين لن تسعى أبدًا إلى سباق تسلح تكنولوجي في مجال الذكاء الاصطناعي، وستعمل دائمًا على تعزيز الحوار البناء بين جميع الأطراف، بغض النظر عن مستوى تطورها التكنولوجي أو خلفيتها الثقافية والسياسية.

هذه الكلمات لم تقتصر على الإطار الخطابي، بل ترافقت مع مجموعة من الالتزامات الصينية الملموسة التي أُعلن عنها خلال المؤتمر، ومن أبرزها فتح الوصول إلى أكثر من مائة نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر للدول النامية، وتقديم دعم فني وتدريبي لأكثر من خمسة آلاف متخصص من دول العالم الجنوبي على مدار السنوات الخمس القادمة، بالإضافة إلى إنشاء صندوق دولي بقيمة مليار دولار لدعم مشاريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والتعليم والتنمية المستدامة في الدول الأقل نموًا. هذه الالتزامات كسرت النمط المعتاد في المناقشات الدولية حول التكنولوجيا، حيث لم تربط الصين أيًّا من هذه المزايا بشروط سياسية، بل جعلتها متاحة لجميع الدول التي تلتزم بمبادئ السلام والإنصاف في استخدام الذكاء الاصطناعي.

ولعل الأهم والأبرز في أحداث المؤتمر هو الإعلان الرسمي عن تأسيس المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي، التي جاءت ثمرة سنوات من المفاوضات والتنسيق بين أكثر من ستين دولة ومنظمة دولية. وتختلف هذه المنظمة الجديدة عن جميع الهيئات السابقة المعنية بالذكاء الاصطناعي، حيث تتمتع بصلاحيات وضع معايير تقنية عالمية ملزمة لضمان أمان أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية القدرة، وآلية مستقلة لمراقبة الامتثال لهذه المعايير، كما تضم في هيكلها الإداري تمثيلًا متساويًا للدول المتقدمة والدول النامية، دون أن تحتكر أي دولة أو مجموعة صغيرة من الدول حق النقض على القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل التكنولوجيا.

إن الدلالات العميقة لهذه الأحداث المتزامنة التي شهدتها شنغهاي لا يمكن تجاهلها في السياق الدولي الحالي، الذي يشهد تصاعد التوترات التكنولوجية ومحاولات بعض القوى فرض قيود أحادية على نقل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتقسيم العالم إلى كتل تكنولوجية متنافسة. فالخطوات التي اتخذتها الصين في هذا المؤتمر قدمت بديلًا واقعيًا عن النموذج الأحادي الذي حاول بعض الأطراف فرضه في السنوات الماضية، وهو النموذج الذي يقوم على الشمولية والشراكة، وليس على الاستبعاد والهيمنة.

عند النظر في مسارات حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي التي تتشكل حاليًا، نجد أن هناك ثلاثة اتجاهات رئيسة كانت تتنافس في السنوات الأخيرة: الاتجاه الأول هو النموذج الأحادي الذي تحاول بعض الدول فرض معاييرها المحلية على العالم بأسره، والاتجاه الثاني هو النموذج المتعدد الأطراف المحدود الذي يقتصر على مجموعة صغيرة من الدول المتقدمة، أما الاتجاه الثالث فهو النموذج الشامل الذي انطلق من شنغهاي، والذي يفتح الباب أمام مشاركة جميع الدول دون تمييز في صياغة القواعد العالمية. وبدأت المؤشرات تظهر بوضوح أن الاتجاه الثالث هو الذي يحظى بدعم غالبية دول العالم، لأنه الوحيد الذي يضمن عدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتعميق الفجوات التنموية، بل إلى قوة لسد هذه الفجوات.

أما بالنسبة لمستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي، فإن الآفاق التي فتحها مؤتمر شنغهاي تبدو أكثر إشراقًا وعدلًا من أي وقت مضى. فمع انطلاق عمل المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي، سوف نرى في السنوات القادمة وضع معايير عالمية موحدة لأمان النماذج الذكية، وآليات لحماية الخصوصية الفردية على المستوى الدولي، وضوابط أخلاقية تمنع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنشطة تهدد السلام العالمي أو التلاعب بالعمليات الديمقراطية. كما أن الالتزامات الصينية سوف تسهم بشكل كبير في تمكين الدول النامية من اللحاق بركب الثورة الذكية، بدلًا من أن تتحول إلى مجرد مستهلكين لتكنولوجيا تم تطويرها في أماكن أخرى.

في الختام، يمكن القول إن مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي كان نقطة الانعطاف التي طال انتظارها في مسار حوكمة الذكاء الاصطناعي الدولي. فالكلمات التي ألقاها زعيم الصين، والالتزامات الملموسة التي أُعلن عنها في بكين، وتأسيس المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي، كلها خطوات وضعت الأساس لنظام عالمي جديد يحكم هذه التكنولوجيا المهمة، نظام يقوم على العدل والشمول والشراكة. وإذا ما تم الالتزام بهذا المسار، فإن البشرية ستتمكن من استغلال الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي لتحقيق تنمية شاملة، وضمان مستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا لجميع شعوب العالم، بدلًا من أن نقع في فخ الانقسام التكنولوجي الذي يهدد بتقسيم عالمنا إلى طبقات لا يمكن تجاوزها.

 

**أستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي الدراسات الدولية

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z