كرامة المواطن يجب أن تكون فوق كل اعتبار

 

 

ناصر العموري

قد تكون صورة مواطن خلف القضبان، مرفقة بعبارة: "حالة إنسانية عاجلة"، مجرد إعلان لحملة تبرعات لسداد دين، لكنها في حقيقتها تثير سؤالًا يتجاوز حدود الحالة الفردية: كيف يصل مواطن في دولة حباها الله بالاستقرار والموارد والإمكانات الاقتصادية إلى أن تصبح حريته مرهونة بحملة تبرعات، أو أن يجد نفسه في مواجهة إجراءات قد تنتهي بعرض منزل أسرته في المزاد؟

لا أحد ينكر ما تبذله سلطنة عُمان من جهود في بناء منظومة للحماية الاجتماعية، وإطلاق برامج تستهدف دعم الفئات المستحقة وتعزيز الاستقرار المعيشي، وهي جهود تستحق الذكر، لكن استمرار ظهور حالات تعثر مالي تصل إلى ساحات القضاء، أو تتحول إلى قضايا رأي عام، يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل: هل تحتاج سياسات الوقاية من التعثر المالي إلى مراجعة مستمرة تواكب المتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة؟ فالتعثر المالي ليس جريمة، وقد يكون نتيجة خسارة تجارية، أو فقدان وظيفة، أو ظروف صحية أو أسرية طارئة. غير أن القضية لا تكمن في التعثر ذاته، بل في مآلاته، حين تصبح حرية المواطن، أو استقرار أسرته، رهينة لقدرة المجتمع على جمع التبرعات.

ولا تقف تداعيات التعثر عند حدود السجن، بل قد تمتد إلى فقدان المسكن نفسه، عندما يُعرض منزل الأسرة للبيع في المزاد، تنفيذًا للإجراءات القانونية لاستيفاء حقوق الدائنين. وهنا لا يكون الحديث عن عقار فحسب، بل عن مأوى أسرة، واستقرار أطفال، وذكريات سنوات طويلة. ومن حق المجتمع أن يتساءل: كيف يصل مواطن إلى هذه المرحلة في دولة جعلت الإنسان محورًا للتنمية؟

ولا شك أن المجتمع العُماني عُرف بروح التكافل والتراحم، وهي قيمة أصيلة نفخر بها جميعًا، إلا أن المجتمع نفسه يواجه اليوم ضغوطًا اقتصادية متزايدة، وأسرًا تكافح لتلبية احتياجاتها الأساسية. ومن ثم، لا ينبغي أن يكون المجتمع خط الدفاع الأول عن المتعثرين ماليًا، بل سندًا يكمل منظومة الحماية الاجتماعية، لا بديلًا عنها.

تحول تشريعي بارز ربما لم يلاحظه الأكثرية؛ إذ خطت السلطنة خطوة كبرى نحو تعزيز حقوق الإنسان بصدور المرسوم السلطاني السامي رقم (89/2025) بالموافقة على انضمام السلطنة إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. هذا الانضمام الدولي يحمل بعدًا إنسانيًا مهمًا، يتمثل في عدم جواز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي أو مالي. ورغم أن القوانين المحلية لم تُلغِ حبس المدين تمامًا حتى الآن، فإن هذا الالتزام الدولي الجديد يفتح الباب أمام مراجعة شاملة ومواءمة مرتقبة للتشريعات الوطنية، لتأصيل مبدأ منع سجن العاجز، وحصر العقوبات القانونية في حالات المماطلة من القادر، والتهريب المتعمد للأموال فقط.

وتتكامل هذه الرؤية مع أهمية تفعيل بدائل التنفيذ القضائي الحديثة، مثل تتبع الأموال إلكترونيًا وتجميد الحسابات، بدلًا من تقييد الحرية، إلى جانب ما يتيحه النظام القضائي الحالي من فرصة للمتعثر لرفع تظلم إلكتروني عبر البوابة الرسمية للخدمات الحكومية؛ لإثبات عجزه المالي وطلب وقف الحبس المؤقت، الذي يخضع للمراجعة والتجديد الدوري.

كما يستحق توظيف الزكاة ضمن منظومة مؤسسية أكثر فاعلية، بوصفها إحدى أهم أدوات التكافل الاجتماعي. ولِمَ لا تتم الاستفادة من إحدى تجارب الدول الخليجية المجاورة في تنظيم الزكاة على الشركات الخاضعة للنظام عبر جهة مختصة، بما يسهم في تعزيز دورها الاجتماعي؟ ولا يعني ذلك استنساخ التجربة، فلكل دولة خصوصيتها وتشريعاتها، لكن الاستفادة من التجارب الناجحة وتطوير نموذج يتناسب مع الواقع العُماني قد يفتح موردًا مستدامًا لدعم الأسر المتعثرة، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص ورجال الأعمال في صناديق اجتماعية تُدار وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية.

إن الثروة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس بحجم مواردها الطبيعية وحدها، بل بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها في أوقات الشدة. فليس من المأمول أن يصبح السجن، أو بيع منزل الأسرة في المزاد، أو انتظار حملة تبرعات، نهايةً لمسار مواطن أنهكه التعثر المالي. ويبقى السؤال الذي يستحق أن يقود هذا النقاش: كيف نبني منظومة تجعل مثل هذه المشاهد استثناءً نادرًا، لا واقعًا يتكرر؟

الأكثر قراءة

z