يارا الحايك**
قراءة فكرية وفلسفية في رائعة إيليا أبو ماضي
هناك قصائد لا تُولد لتُطرب الذائقة فحسب، بل لتوقظ الوعي، وتبقى حاضرة في وجدان الإنسان مهما تبدلت الأزمنة. فهي لا تنتمي إلى لحظة كتابتها، وإنما إلى كل لحظة يعيشها الإنسان؛ لأنها لا تخاطب ظروفه العابرة، بل تخاطب جوهره وأسئلته الكبرى. ومن هذا الإيمان بأن الشعر الحقيقي مدرسة للحياة، وأن القصيدة العظيمة لا تكتفي بوصف المشاعر، بل تكشف قوانين النفس البشرية، تأتي قصيدة "قالت سكت وما سكت سُدى" للشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماضي، رحمه الله، بوصفها رحلة فكرية في أعماق الإنسان؛ تبدأ من سؤال الصمت، ثم تمتد إلى الكلمة والتجربة والعلاقات والمجتمع، لتنتهي إلى حكمة تتجاوز زمن الشاعر إلى كل الأزمنة.
لم يكن إيليا أبو ماضي شاعر صورة وقافية فقط، بل كان شاعرًا يبحث عن المعنى الكامن خلف التجربة الإنسانية. فقد استطاع أن يحول تجربته الخاصة إلى أسئلة عامة يعيشها كل إنسان: متى تكون الكلمة موقفًا؟ ومتى يصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلام؟ وكيف تصنعنا الأيام حين تكشف لنا ما لم نكن نراه؟
ومنذ عنوان القصيدة يضعنا الشاعر أمام مفتاحها الأساسي:
"قالت سكت وما سكتَّ سُدى
أعيا الكلامُ عليك أم نفدا"
فالصمت هنا ليس عجزًا عن التعبير، ولا هروبًا من المواجهة، بل هو صمت إنسان امتلأت تجربته بالأسئلة، فأدرك أن الكلمة ليست مجرد صوت، وأن الحديث لا تكون له قيمة إلا حين يحمل معنى وأثرًا، لذا نجد أن أعظم ما تكشفه القصيدة أن الصمت ليس نقيضًا للكلام، بل امتحانًا له؛ فليس كل ما يُقال يستحق أن يُقال، وليس كل حديث دليلًا على الحكمة. هناك صمت يولد من الخوف، وصمت آخر يولد من الوعي، وبينهما فرق لا يدركه إلا من عرف مسؤولية الكلمة. ولهذا لا يدعو أبو ماضي إلى الصمت المطلق، بل إلى الكلمة المسؤولة؛ لأن الإنسان لا يكتمل وعيه حين يحتفظ بأفكاره لنفسه دائمًا، وإنما حين يعرف متى يقولها وكيف يقولها، وهو ما يعبّر عنه بقوله:
"ما قيمةُ الإنسانِ معتقدًا
إن لم يقلْ للناسِ ما اعتقدا"
فالكلمة في نظر الشاعر ليست ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية. فالإنسان لا يُقاس فقط بما يعرفه، بل بقدرته على التعبير عن الحق الذي يؤمن به، مع إدراك أثر كلمته ونتائجها.
غير أن الكلمة لا تكتسب قيمتها من ارتفاع الصوت، بل من قدرتها على الوصول وصناعة الأثر. ولهذا ينتقل أبو ماضي من سؤال التعبير إلى سؤال الصدى:
"ماذا يفيدُ الصوتُ مرتفعًا
إن لم يكن للصوتِ ثمَّ صدى"
وهنا يلامس الشاعر جوهر عصرنا الحديث؛ عصر أصبحت فيه الأصوات أكثر من أي وقت مضى، لكن المعاني أقل حضورًا. فالجميع يتحدث، والجميع يعرض رأيه، لكن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة عمق الفكرة، وارتفاع الصوت لا يمنح صاحبه حقًّا في أن يكون على صواب.
لقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي التعبير متاحًا للجميع، لكنها في المقابل جعلت الإصغاء والتأمل أكثر ندرة. فأصبح التحدي الحقيقي ليس أن يسمع الناس صوتك، بل أن يكون لديك ما يستحق أن يُسمع. فالقيمة ليست في الانتشار، بل في الأثر، وليست في كثرة الكلمات، بل في صدقها.
ومن هنا تنتقل القصيدة بصورة طبيعية من الكلمة إلى التجربة؛ لأن هذه الحكمة لا تولد من فراغ، بل من رحلة طويلة من الاختبار. فالإنسان لا تصنعه السنوات بمجرد مرورها، وإنما تصنعه الطريقة التي يقرأ بها ما مر به من أحداث.
ولهذا يقول أبو ماضي:
"إنَّ الحوادثَ في تتابعها
أبدلنني من ضلَّتي رشدًا"
فالتجارب لا تأتي دائمًا لتكسر الإنسان، بل كثيرًا ما تأتي لتعيد بناءه. فبعض الخسارات تفتح أعيننا على حقائق لم نكن نراها، وبعض الآلام تمنحنا قدرة أكبر على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف. ولعل أقسى ما تكشفه التجارب هو حقيقة العلاقات الإنسانية؛ فالإنسان قد يحيط نفسه بأشخاص كثيرين، لكنه لا يعرف قيمتهم الحقيقية إلا عندما تأتي لحظة الحاجة. عندها تسقط المجاملات، وتظهر المواقف.
وهنا يبلغ أبو ماضي ذروة التعبير عن هذا المعنى في قوله:
"لكنني لما مددتُ يدي
وأدرتُ طرفي لم أجد أحدًا"
إن هذا البيت يتجاوز تجربة الشاعر الخاصة ليصبح صورة إنسانية خالدة. فهو لا يتحدث فقط عن غياب أشخاص، بل عن لحظة اكتشاف أن بعض العلاقات كانت مرتبطة بالظروف أكثر مما كانت مرتبطة بالوفاء.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين يقول:
"لا يملأُ السربالَ واحدُهم
وله وعودٌ تملأُ البلدا"
فالحياة مليئة بمن يجيدون صناعة الوعود، لكن الاختبار الحقيقي ليس في جمال الكلام، بل في القدرة على تحويله إلى فعل. فالإنسان لا يُعرف بما يعد به، وإنما بما يقدمه حين يصبح العطاء واجبًا.
لكن تجربة الخذلان لا تقود الشاعر إلى اليأس، بل إلى رؤية أكثر نضجًا. فالحكمة لا تعني أن يفقد الإنسان ثقته بالحياة، بل أن يتعامل معها بعين أكثر بصيرة. فالنضج لا يقوم على إغلاق الأبواب أمام الآخرين، وإنما على فهم طبيعة البشر، ومعرفة أن قيمة الأشخاص تظهر في المواقف لا في الكلمات.
ومن العلاقات ينتقل الشاعر إلى المجتمع؛ لأن الإنسان لا يواجه خيباته الشخصية فقط، بل يواجه أيضًا صعوبة أن يكون صادقًا في بيئة لا تحتمل دائمًا النقد والمراجعة.
وهنا يقول:
"وقعُ الخطوبِ عليَّ أخرسني
وكذا العواصفُ تُسكتُ الغردا"
فالصمت الذي يأتي بعد العاصفة ليس ضعفًا، بل أثر تجربة عميقة. فالطائر لا يصمت لأنه فقد القدرة على التغريد، بل لأن قوة الريح جعلته ينتظر لحظة السكون، وهذا ما يجعل النقد الصادق ضرورة لأي مجتمع يريد التقدم. فالأمم لا تنهض بإخفاء أخطائها، بل بمواجهتها، ولا تتطور بإسكات أصوات الإصلاح، بل بالاستماع إليها. فالنقد ليس خصومة، بل صورة من صور الحرص والانتماء؛ لأن من يحب شيئًا يسعى إلى إصلاحه وتطويره.
وفي النهاية تعود القصيدة إلى الإنسان نفسه؛ إلى ذلك الكائن الذي تصنعه الأيام بقدر ما يصنع نفسه. فالمعرفة قد تأتي من الكتب، أما الحكمة فلا تولد إلا حين تمتزج المعرفة بالتجربة. وليس أكثر الناس عمرًا أكثرهم حكمة، بل أكثرهم قدرة على تحويل ما مر بهم إلى فهم أعمق للحياة.
ولهذا تلتقي قصيدة أبي ماضي مع حقيقة فلسفية كبرى: أن الإنسان قد لا يملك كل ما يحدث له، لكنه يملك دائمًا طريقة استجابته لما يحدث. فالنضج ليس غياب الألم، بل القدرة على تحويل الألم إلى وعي، والخسارة إلى معرفة، والتجربة إلى بصيرة.
وبعد عقود طويلة من كتابة هذه القصيدة، ما تزال "قالت سكت وما سكت سُدى" نابضة بالحياة؛ لأنها لم تكن قصيدة عن شاعر فقط، بل عن الإنسان في رحلته الأبدية بين الكلمة والصمت، وبين الأمل والخيبة، وبين ما يتوقعه من الحياة وما تعلمه إياه التجارب.
لقد أدرك إيليا أبو ماضي أن الإنسان لا يُقاس بعدد ما قال، بل بما تركه قوله من أثر، ولا بعدد من أحاطوا به، بل بمن بقوا أوفياء حين تغيرت الظروف.
وهكذا نغادر القصيدة ونحن لا نحمل أبياتها فقط، بل نحمل سؤالها الأكبر: هل نصمت لأننا فقدنا القدرة على الكلام، أم لأننا تعلمنا أن بعض الكلمات لا تُقال إلا حين تصبح جديرة بأن تُسمع؟
وربما هنا تكمن عظمة الشعر العظيم؛ فهو لا يمنحنا إجابات جاهزة، بل يمنحنا وعيًا جديدًا يجعلنا نطرح الأسئلة الصحيحة. فبداية الحكمة لم تكن يومًا في كثرة الكلام، وإنما في حسن الإصغاء إلى الحياة.
**كاتبة سورية
