بقلم عبدالنبي الشعلة
حين تمر الأوطان بظروف استثنائية، وتحيط بها تحديات أمنية وسياسية، يصبح من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى الجيوش ومنظومات الدفاع والتحالفات الإقليمية. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن حماية الأوطان لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى قوة أخرى لا تقل أهمية وتأثيرًا، هي قوة الفكر والثقافة والفنون، التي تُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، أو ما أصبح يُعرف اليوم بـ«القوة الناعمة»؛ فإذا كانت القوة العسكرية تحمي الأرض، فإن القوة الناعمة تحمي الإنسان والهوية.
وقد جاءت التطورات التي شهدتها منطقتنا خلال الأشهر الماضية لتؤكد أن المجتمعات التي تمتلك حصانة فكرية وثقافية تكون أكثر قدرة على مواجهة حملات الاستقطاب والتطرف والحروب النفسية، وأكثر تماسكًا في أوقات الأزمات، إذ إن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الصواريخ والطائرات، بل أصبحت تستهدف الوعي والهوية والانتماء.
ولأن الإيمان بهذه الفكرة لا يكتمل ما لم يتحول إلى مبادرات عملية، فقد حرصت مؤسسة «البلاد» الإعلامية على أن تجعل من دعم المبدعين جزءًا من رسالتها المجتمعية. ومن هذا المنطلق، تبنت المؤسسة مجموعة من المبادرات الثقافية والفكرية التي تهدف إلى الاحتفاء بالمبدعين البحرينيين، وإبراز عطائهم، وتعزيز حضورهم في المجتمع، إيمانًا بأن المفكرين والأدباء والفنانين يشكلون أحد أهم روافد القوة الناعمة، وأن الاستثمار في الإنسان المبدع هو استثمار في مستقبل الوطن ذاته.
وكانت باكورة هذه المبادرات «منبر القلم»، التي انطلقت بالتعاون مع أسرة الأدباء والكتاب، لتكريم المفكرين والباحثين والأدباء والشعراء، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للتعرف إلى إنتاجهم الفكري والثقافي من خلال معارض لكتبهم ولقاءات إعلامية وبرامج تعريفية تستمر عدة أسابيع. وقد تشرفت المبادرة حتى الآن بالاحتفاء بالمؤرخ والباحث الدكتور منصور سرحان، ثم بالأديب والشاعر الأستاذ علي عبدالله خليفة، قبل أن يختاره الله إلى جواره أثناء فترة الاحتفاء به، بما منح المبادرة بعدًا إنسانيًا مؤثرًا، ثم بالأديب والناقد والشاعر البروفيسور الدكتور علوي الهاشمي، أحد أبرز رواد الحركة الشعرية والثقافية في البحرين.
كما أطلقت المؤسسة مبادرة «ريشة البلاد» بالتعاون مع جمعية البحرين للفنون التشكيلية، لتكريم الفنانين التشكيليين وإبراز دورهم في إثراء المشهد الفني الوطني، حيث تم الاحتفاء بالفنان جعفر العريبي، ثم بالفنانة مريم فخرو، مع تنظيم معارض لأعمالهما وإجراء لقاءات إعلامية تسلط الضوء على تجربتيهما وإسهاماتهما.
أما المبادرة الثالثة، «وتر البلاد»، فمن المقرر إطلاقها خلال شهر سبتمبر المقبل، لتشمل الموسيقيين والملحنين والمطربين والمؤلفين، استكمالًا لمشروع يهدف إلى الاحتفاء بمختلف مكونات الإبداع الوطني.
ولعل أكثر ما أسعدنا هو ما تلقيناه من رسائل واتصالات حملت كلمات التقدير والتشجيع من مختلف الأوساط الثقافية والرسمية، وهو ما يعكس تعطش المجتمع لمثل هذه المبادرات، ويؤكد أن تكريم المبدعين ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما حاجة وطنية.
ومن هنا يبرز الأمل في أن تتحول هذه المبادرات إلى ثقافة وطنية راسخة، تتبناها المؤسسات الرسمية والأهلية معًا، على غرار النجاح الكبير الذي حققته جائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء (حفظه الله)، والتي أصبحت حافزًا حقيقيًا للتنافس والتميز في العمل الصحفي. فلماذا لا نشهد جوائز وطنية مماثلة لأفضل رواية، وأفضل كتاب، وأفضل قصة، وأفضل مسرحية، وأفضل فيلم، إلى جانب مسابقات شعرية وجوائز للفنون التشكيلية وغيرها من مجالات الإبداع؟
إن مكانة الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصاداتها أو جيوشها أو ثرواتها الطبيعية، وإنما كذلك بما تمتلكه من رصيد فكري وثقافي وحضاري، وبقدرتها على التأثير والإقناع وجذب الآخرين. وهذا هو جوهر مفهوم القوة الناعمة الذي يقوم على التأثير عبر الثقافة والقيم والإبداع، لا عبر الإكراه والقوة.
وقد ازدادت أهمية القوة الناعمة بصورة غير مسبوقة مع الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح تشكيل الرأي العام جزءًا من معادلات الأمن الوطني، وأصبح التأثير الثقافي يعبر الحدود ويصل إلى كل بيت في لحظات، وصار الصراع على العقول والوعي لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض.
ولهذا، فإن الأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما بالعقول التي تبدع، والأقلام التي تنير، والريش التي ترسم، والأوتار التي تعزف، والكلمة التي ترتقي بالإنسان. فالمفكرون والمثقفون والأدباء والفنانون يشكلون، في حقيقة الأمر، الساتر الفكري الذي يحمي المجتمع من الفراغ الثقافي، ومن تسلل الأفكار المتطرفة والهدامة التي تستهدف الهوية الوطنية وتماسك المجتمع.
ولعل من المشروع أن نتساءل: كيف استطاعت بعض الأفكار المتطرفة، سواء تلك التي رفعتها جماعات الإسلام السياسي أو المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود، أن تجد لها موطئ قدم في بعض مجتمعاتنا؟ قد لا يكون السبب الوحيد هو نشاط تلك الجماعات، وإنما أيضًا تقصيرنا، لسنوات طويلة، في بناء السور الفكري والثقافي الذي يحصن المجتمع، وفي منح المبدعين والمفكرين المكانة التي يستحقونها، وفي الحفاظ على تراثنا الثقافي الزاخر الذي شكّل، على مدى قرون، أحد أهم وجوه البحرين الحضارية.
واليوم، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مشروع ثقافي وطني جامع، يستنهض طاقات المبدعين، ويعزز قيم المواطنة والولاء والانتماء، ويعيد الاعتبار للثقافة والفكر والفنون باعتبارها ركيزة من ركائز الأمن الوطني والتنمية المستدامة.
فالأوطان لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما تنتصر أيضًا بالعقل الذي يفكر، والقلم الذي يكتب، والقصيدة التي تُلهم، واللوحة التي تحفظ الذاكرة، والموسيقى التي توحد الوجدان. وحين نستثمر في القوة الناعمة، فإننا لا نكرم المبدعين فحسب، بل نبني مستقبل الوطن ونحصن هويته للأجيال القادمة؛ فالدفاع عن الوطن لا تقوم به المؤسسات الأمنية وحدها، وإنما يشارك فيه أيضًا الكاتب، والشاعر، والفنان، والباحث، والموسيقي.
كما أن الاستثمار في الإنسان المبدع ينسجم مع مشروع البحرين في بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز التنمية المستدامة، فالثقافة ليست نشاطًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل أحد روافده. وأصبحت الصناعات الإبداعية اليوم قطاعًا اقتصاديًا واعدًا في كثير من دول العالم.
وقد لا نستطيع أن نغير الجغرافيا، ولا أن نمنع الأزمات من الوصول إلى منطقتنا، لكننا نستطيع أن نبني مجتمعًا يمتلك من الوعي والثقة والاعتزاز بهويته ما يجعله أكثر قدرة على تجاوزها. فكل كتاب يُقرأ، وكل قصيدة تُكتب، وكل لوحة تُرسم، وكل لحن يُبدع، ليس مجرد عمل ثقافي، بل هو في حقيقته لبنة جديدة في بناء الوطن، واستثمار في أمنه واستقراره ومستقبله.
