السياسة للدول.. والعداوة ليست للشعوب

 

 

حمود بن سعيد البطاشي

ليست كل نارٍ تُرى في الأفق تستوجب أن يحمل المارُّ إليها حطبًا، وليست كل خصومةٍ تنشأ بين دولتين دعوةً مفتوحة لأن تتحول الشعوب إلى أطرافٍ فيها. فثمة مسافةٌ واسعة بين السياسة بوصفها علمًا لإدارة المصالح، وبين العاطفة حين تُستدرج إلى ميادين لا تعرف من تعقيداتها إلا عناوين الأخبار ومقاطع وسائل التواصل.

ومع اتساع الفضاء الرقمي، بات المشهد أكثر ضجيجًا من أي وقت مضى. فما إن يلوح خلافٌ سياسي أو دبلوماسي بين دولتين، حتى تتبدل بعض المنصات إلى ساحاتٍ للمبارزة اللفظية، وتُستحضر لغة الخصومة، ويُوزَّع الناس إلى معسكراتٍ متقابلة، وكأن كل فردٍ مطالبٌ بأن يحمل على عاتقه نزاعًا لم يكن يومًا طرفًا فيه.

غير أن السياسة ليست ميدانًا للانفعالات العابرة، ولا تُدار بمنطق التصفيق أو الهتاف. إنها فنُّ الموازنة بين المصالح، وقراءة الجغرافيا، واستشراف المستقبل، وحماية الأمن الوطني. ولهذا، فإن القرار الذي يبدو للبعض غامضًا أو متحفظًا قد يكون، في ميزان الدولة، أكثر القرارات حكمةً وبعد نظر.

ولعل أكثر ما يُغفل في هذا السياق أن الحكومات تتحرك وفق مسؤولياتها السيادية، بينما تتحرك الشعوب وفق روابطها الإنسانية. فليس من العدل أن تُحمَّل العلاقات بين الناس أوزار الخلافات السياسية، ولا أن تتحول المودة بين الأمم إلى رهينة موقفٍ قد يتغير بتغير الظروف أو تبدل المصالح.

لقد علمنا التاريخ أن السياسة لا تعرف الجمود؛ فالخصومات كثيرًا ما تنتهي إلى مصافحات، والخلافات إلى تفاهمات، وما كان بالأمس سببًا للتباعد قد يصبح اليوم أساسًا لشراكة جديدة. أما الشعوب التي اندفعت خلف الانفعال، فإنها تجد نفسها بعد انقضاء العاصفة أمام حقيقةٍ بسيطة: لقد استهلكت مشاعرها في معارك لم تكن لها.

ومن هنا، فإن سياسة الحياد التي تنتهجها بعض الدول ليست علامة تردد، كما يصورها البعض، ولا هروبًا من المسؤولية، بل قد تكون أعلى درجات المسؤولية ذاتها. فالحياد، حين يقوم على الحكمة وحماية المصالح الوطنية، ليس موقفًا سلبيًا، بل خيارٌ استراتيجي يمنح الدولة القدرة على أن تكون جسرًا للحوار بدلًا من أن تكون طرفًا في اتساع الصراع.

وفي عالمٍ تتشابك فيه المصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيه طرق التجارة، والطاقة، والأمن، لم يعد من الحكمة أن تُقاس مواقف الدول بمنطق الانفعال الشعبي. فالدولة ترى ما لا يراه الأفراد، وتحسب من المعطيات ما يتجاوز ظاهر الأحداث، وتبني قراراتها على تقديرٍ شامل، لا على ردود أفعالٍ لحظية.

وللأسف، أصبح بعض مستخدمي وسائل التواصل يخلطون بين الوطنية والخصومة، حتى كأن حب الوطن لا يكتمل إلا بإعلان العداء للآخرين. وهذه معادلة لا يصنعها الوعي، بل تصنعها الحماسة حين تنفصل عن البصيرة. فالوطنية الحقة ليست ارتفاع الصوت، وإنما الثقة في مؤسسات الدولة، واحترام خياراتها، وإدراك أن صانع القرار يمتلك من المعلومات والرؤية ما لا يتوافر لعامة الناس.

إن العلاقات بين الشعوب أوسع من أن تختزلها أزمة عابرة، وأعمق من أن تهزها حملة إلكترونية أو وسمٌ يتصدر لساعات. فبين الأمم تاريخٌ من المصالح، والثقافة، والعلم، والتجارة، والجوار، والاحترام المتبادل، وهذه الروابط هي التي تصنع الاستقرار الحقيقي، لا موجات الانفعال التي سرعان ما تنطفئ كما اشتعلت.

ولذلك، فإن أكثر ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس زيادة الأصوات، بل زيادة الوعي؛ ليس المزيد من الخصومات، بل المزيد من الفهم. فالكلمة التي تُكتب بدافع الغضب قد تترك أثرًا يتجاوز صاحبها، بينما الكلمة التي يكتبها العقل تبني جسرًا قد تعجز السياسة نفسها عن بنائه.

ويبقى الفرق كبيرًا بين من ينظر إلى السياسة بعين الحكمة، ومن يقرأها بعين الانفعال. فالحكومات قد تختلف ثم تتصافح، وقد تتنافس ثم تتعاون، أما الشعوب فإن أعظم ما تملكه هو أن تحفظ إنسانيتها فوق كل خلاف، وأن تدرك أن السياسة للدول، أما العداوة فليست قدرًا مكتوبًا على الشعوب.

وحين يبلغ الوعي هذه المنزلة، يصبح المواطن سندًا لوطنه، لا صدىً لضجيج الآخرين، وتصبح الحكمة عنوانًا للانتماء، لا الانفعال. فالأوطان تُبنى بالعقول الهادئة، وتُصان بالمواقف الرشيدة، وتبقى الشعوب الكبيرة هي تلك التي تعرف كيف تحب أوطانها، دون أن تكره أوطان الآخرين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z