د. سعيد الدرمكي
تمتلك كثير من المؤسسات أحدث أنظمة الجودة، وأفضل أدلة الإجراءات، وتحمل أرقى شهادات الاعتماد الدولية، ومع ذلك تنهار عند أول أزمة. لماذا؟ لأن الأنظمة لا تقود المؤسسات، بل يقودها الإنسان.
يفشل كثير من القادة الإداريين في إدارة مؤسساتهم، رغم امتلاكهم أنظمة إدارية معتمدة وفق أفضل المعايير الدولية. فالأنظمة، مهما بلغت جودتها واعتمادها، لا تكفي وحدها لضمان النجاح إذا غابت القيادة القادرة على توظيفها وإدارة العنصر البشري بكفاءة.
إن الأنظمة الإدارية تمثل الإطار الذي ينظم العمل، ويوحد الإجراءات، ويعزز الحوكمة، ويرفع مستوى الجودة والاتساق في الأداء. ومع ذلك، تبقى الأنظمة أدوات لا تحقق أهدافها إلا عندما يقودها قائد يمتلك الرؤية، ويجيد اتخاذ القرار، ويحولها إلى ممارسات تحقق النتائج.
فالأنظمة تصف ما ينبغي فعله، أما القيادة فتدرك متى تستدعي الظروف المرونة في تطبيق الإجراءات، ومتى يتطلب الموقف اتخاذ قرار استثنائيًا، دون الإخلال بالحوكمة أو المبادئ.
وقد شهد العالم مؤسسات امتلكت أعلى مستويات الحوكمة، وحصلت على أرقى شهادات الجودة والاعتماد، لكنها تعثرت عندما غابت القيادة القادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وفي المقابل، استطاعت مؤسسات أخرى، رغم محدودية مواردها، أن تتجاوز أزمات كبرى بفضل قيادات امتلكت وضوح الرؤية، وسرعة الاستجابة، والقدرة على توجيه فرق العمل نحو تحقيق الأهداف. وهذا يؤكد أن الأنظمة تعزز الأداء، لكنها لا تستطيع أن تحل محل القيادة.
فكم من مؤسسة مالية كبرى انهارت رغم حصولها على أعلى تصنيفات الجودة والامتثال؛ لأن قياداتها تجاهلت إشارات الخطر المبكرة خشية تعطيل الإجراءات المعتمدة؟ وفي المقابل، كم من مؤسسة ناشئة، بموارد محدودة وأنظمة غير مكتملة، نجت من أزمة تشغيلية طارئة؛ لأن قائدها اتخذ قرارًا سريعًا خارج الإطار المعتاد، حين لم يسعفه الوقت لاتباع الإجراء الرسمي؟
فالمؤسسات التي تعتمد على الأنظمة وحدها، دون قيادة واعية، تشبه هياكل تبدو قوية من الخارج، لكنها هشة من الداخل، لا تصمد أمام الأزمات أو الكوارث غير المتوقعة. وهنا يكمن الفرق بين الإدارة والقيادة.
ولا تؤتي أفضل الأنظمة ثمارها إذا كانت الثقافة المؤسسية لا تشجع على المبادرة، أو تتسامح مع ضعف الأداء، أو تخشى الاعتراف بالأخطاء؛ فالثقافة هي البيئة التي تُختبر فيها فاعلية الأنظمة، وقدرة القيادة على تحويلها إلى واقع.
فالقيادة الحقيقية لا تكتفي بتطبيق الأنظمة، بل تقرأ الإشارات التي لا تكشفها التقارير أو الإجراءات، وتلتقط المؤشرات المبكرة، وتتصرف قبل أن تتحول إلى أزمات.
إن جوهر الإدارة لا يكمن في امتلاك الأنظمة، بل في الفهم العميق لبيئة العمل، ومعرفة تحدياتها وإمكاناتها، والتكيف مع متغيراتها، وتعزيز نقاط القوة، ومعالجة مواطن الضعف بصورة مستمرة، ولو كان ذلك بشكل تدريجي.
وفي نهاية المطاف، توفر الأنظمة الإطار، وتشكل الثقافة السلوك، أما القيادة فهي التي توحد بينهما وتحولهما إلى نتائج مؤثرة.
لقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من المؤسسات لم تفشل بسبب ضعف أنظمتها، بل بسبب عجز قياداتها عن قراءة المتغيرات، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وفي المقابل، نجحت مؤسسات أخرى في تجاوز أزمات اقتصادية وتشغيلية معقدة، ليس لأنها امتلكت أنظمة أفضل، وإنما لأنها امتلكت قيادات أحسنت توظيف تلك الأنظمة، واتخذت قرارات شجاعة، واستثمرت في الإنسان قبل الإجراء.
ورحلة المدير نحو التميز ليست رحلة مستقرة أو دائمة، حتى بالنسبة لأفضل القادة الإداريين في العالم. فالإدارة بطبيعتها تمر بمراحل من الصعود والهبوط، والنجاح والتحدي، وهذا أمر طبيعي في عالم الأعمال. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما يفقد القائد القدرة على توجيه سفينة المؤسسة واتخاذ القرار في الوقت المناسب؛ فحينها يصبح وجوده شكليًا وبلا تأثير، فهو أشبه بالعربة التي فقدت حصانها.
وفي ظل المنافسة المتسارعة، لم تعد القيادة مجرد إدارة للعمليات اليومية، بل أصبحت قدرة على بناء الجاهزية المؤسسية التي تمكّن المؤسسة من مواجهة العواصف والتغيرات، وتجنب مغبات القرارات الخاطئة والمخاطر التي قد لا تُرى بالعين المجردة، وإنما تُكتشف بالخبرة، والرؤية الاستراتيجية، والابتكار.
لذلك، ليست القيادة في الالتزام الحرفي بالنظام، وإنما في حسن توظيفه لخدمة أهداف المؤسسة وحماية استدامتها.
فالأنظمة قد تمنح المؤسسة الانضباط، لكنها لا تمنحها البصيرة. والإجراءات قد تنظم العمل، لكنها لا تصنع القرار. أما القيادة الحقيقية، فهي التي تجعل من النظام وسيلة للنجاح، لا قيدًا يمنع المؤسسة من النجاة.
