المناصب لا تبني الأوطان

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

قد تمتلك الدول أفضل الخطط، وأضخم الميزانيات، وأحدث الأنظمة، لكن كل ذلك قد يفقد أثره إذا تولى القيادة من يرى المنصب غايةً لا وسيلة، وامتيازًا لا مسؤولية. فالأوطان لا تبنيها المناصب، وإنما تبنيها القيادات التي تحسن استثمارها. فالمنصب لا يصنع الإنجاز، وإنما يصنعه الإنسان الذي يدرك أن المنصب مسؤولية قبل أن يكون مكانة، وتكليفًا قبل أن يكون تشريفًا.

ولا شك أن الوظيفة العامة مسؤولية وتكليف، وأن المنصب القيادي ليس امتيازًا شخصيًا بقدر ما هو أمانة يحملها صاحبه أمام الله، ثم أمام وطن بأكمله، وأمام من أولاه الثقة لتحمل هذه المسؤولية. فالمسؤول لا يدير ميزانية أو مؤسسة حكومية فحسب، بل يدير أحلام الناس وآمالهم، وقد تمتد آثار قراراته إلى حياة آلاف المواطنين، وربما مئات الآلاف منهم.

وفي عصر المؤشرات، والأرقام، وقياس الأداء، لم يعد النجاح الإداري يُقاس بعدد الاجتماعات، أو بعدد المبادرات، أو التصريحات، بل بما تحقق على أرض الواقع، وبما يشعر به المواطن من تحسن في الخدمات، وفرص العمل، وجودة الحياة.

لكن المؤسف أن بعض المسؤولين، ما إن يصلوا إلى مواقعهم، حتى يتحول شعورهم بالثقة التي أُوليت لهم إلى قناعة بأنهم الأقدر دائمًا على اتخاذ القرار، والأكثر فهمًا، فيتحول المنصب من مسؤولية إلى شعور بالتفوق، ومن تكليف إلى استحقاق مطلق.

ومن هنا قد تبدأ المشكلة.

فيصبح الرأي الواحد هو الحقيقة الوحيدة، وتتحول الاجتماعات إلى مناسبات للاستماع لا للنقاش، ويغيب أصحاب الخبرة والكفاءة؛ لأن وجودهم يثير القلق بدلًا من أن يمنح الطمأنينة، بينما يُفسح المجال لأصحاب الموافقة الدائمة والتصفيق المستمر، فتضعف المؤسسات عندما ترتبط بشخص، وتقوى عندما ترتبط بمنهج وعمل جماعي.

وما يزيد الأمر تعقيدًا أن بعض المؤسسات تقع أسيرة للبيروقراطية والخوف من اتخاذ القرار، فيصبح تأجيل الحسم أكثر أمانًا من المبادرة، ويغدو توقيع المعاملة مخاطرة يجب تجنبها، لا مسؤولية يجب تحملها. ففي عالم يتغير بسرعة، قد تكون كلفة التأخير أكبر من كلفة الخطأ نفسه؛ لأن الفرص التي تضيع لا تعود دائمًا.

ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات أن ينشغل بعض المسؤولين بإدارة الصورة أكثر من إدارة الواقع، فتُستنزف الجهود في إبراز ما أُنجز، بينما يبقى الأهم هو إنجاز ما يستحق أن يُبرز. فالمواطن لا يقيس نجاح المؤسسة بعدد الأخبار المنشورة، ولا بحجم الفعاليات المقامة، وإنما بما يلمسه من تحسن في الخدمة، وسرعة في الإنجاز، وجودة في الأداء. فالإدارة الناجحة لا تُعرف بما يُقال عنها، بل بما يراه الناس من أثرها في حياتهم.

إن المسؤول الواثق من نفسه يبحث عن أصحاب الكفاءات ليقترب منهم، ويحيط نفسه بمن يختلف معه بصدق قبل أن يوافقه مجاملة؛ لأنه يدرك أن جودة القرار لا تأتي من كثرة المؤيدين، بل من قوة الحجة وسلامة الرأي. أما المسؤول القلق من موقعه، فيبحث عمن يضمن له الهدوء لا الإنجاز، وعمن يوافقه دائمًا، لا عمن يصحح له الطريق.

والحقيقة أن المؤسسات الناجحة لا تقوم على مسؤول واحد، مهما بلغت قدراته، وإنما تقوم على فرق عمل متكاملة، وبيئة تسمح بتبادل الآراء، وتقبل الاختلاف، وتشجع المبادرات. فالفكرة الجيدة لا قيمة لها إن حوصرت، ولا يضرها أن تأتي من أي موقع؛ لأن الإنجاز الحقيقي لا يحمل اسم فرد، بقدر ما يحمل اسم المؤسسة والوطن.

والمشكلة الأكبر أن بعض المسؤولين ينظرون إلى النقد على أنه استهداف شخصي، بينما الحقيقة أن التقدم يعتمد على النقد، والمراجعة، والتقييم، والمساءلة. فلا أحد أكبر من الخطأ، ولا مؤسسة أكبر من التطوير، ولا قرار ينبغي أن يكون بمنأى عن المراجعة.

بل إن المسؤول الناجح هو من يبحث عن مواطن الخلل قبل أن يبحث عنها الآخرون، ويفتح الأبواب للنقد المسؤول؛ لأنه يدرك أن التصحيح المبكر أقل كلفة من معالجة الأخطاء بعد تفاقمها.

كما أن المنصب بطبيعته مؤقت، أما أثر القرار فيبقى سنوات طويلة. فقد يغادر المسؤول مكتبه بعد سنوات قليلة، لكن الوطن يبقى، والمواطن يبقى، والنتائج تبقى كذلك.

ولهذا فإن الخوف الحقيقي لا ينبغي أن يكون من فقدان المنصب، بل من ضياع الفرصة. فالمنصب سيغادره صاحبه يومًا ما، أما الإنجاز فيبقى شاهدًا له أو عليه.

وفي عالم يشهد تحولات متسارعة، لم تعد المنافسة بين الدول تقوم على القوة العسكرية وحدها، إن وجدت، بل أصبحت معركة الاقتصاد، والاستثمار، والتقنية، والمعرفة. وفي هذا السباق، قد تكون كلفة الوقت، والإجراءات الطويلة، والتردد في اتخاذ القرار، أكبر من كلفة نقص الموارد؛ لأنها قد تؤخر مشروعًا، أو تضيع فرصة، أو تبدد حلمًا ينتظر تحقيقه مواطن أو مستثمر.

والمواطن اليوم لم يعد يبحث عن الوعود بقدر ما يبحث عن النتائج، ولم يعد يقارن واقعه بما كان عليه بالأمس، بل بما يراه من تجارب ناجحة حول العالم، وبما يحمله من طموح لمستقبل أفضل. ولذلك فإن بناء الثقة بين المواطن والإدارة التنفيذية لا يتحقق بالكلمات، وإنما بالإنجاز، والشفافية، وسرعة الاستجابة، والشعور بأن صوته مسموع، وهمومه محل اهتمام.

ولدينا، بفضل الله، قيادة حكيمة، وكوادر وطنية كفؤة، ورؤية وطنية واضحة تتمثل في رؤية "عُمان 2040"، إلى جانب المقومات والإمكانات التي تجعل المستقبل أكثر إشراقًا. لكن الرؤى، مهما بلغت دقتها وجودة صياغتها، لا تتحول إلى واقع إلا بإدارة تمتلك كفاءة التنفيذ، وجرأة اتخاذ القرار، والقدرة على تحويل الخطط إلى إنجازات يلمسها المواطن في حياته اليومية.

إن الأوطان لا تعيقها قلة الموارد بقدر ما يعيقها أحيانًا ضيق الأفق، ولا تهزمها التحديات بقدر ما يؤخرها الخوف من القرار، أو الخوف من نجاح الآخرين داخل المؤسسة نفسها.

وفي الختام، لا يحتاج الوطن إلى مسؤول يُقال إنه شغل منصبًا مهمًا، بل يحتاج إلى مسؤول يُقال إنه عندما حضر تحركت الملفات، واختفت العوائق، وفُتحت الأبواب، وشعر المواطن أن هناك من يعمل من أجله.

وليس فيما سبق انتقاصًا لما تحقق، فقد أنجزت عُمان، والحمد لله، الكثير في مختلف المجالات، وتمضي بثقة نحو المستقبل. لكن الطموح الوطني لا يعرف حدودًا، وكل إنجاز يفتح الباب لإنجاز أكبر، وكل نجاح يستدعي نجاحًا يليه.

وتبقى الثقة السامية التي يوليها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، أيده الله، للمسؤول، تكليفًا ومسؤولية عظيمة قبل أن تكون تشريفًا، تُقاس بقدر ما يتحقق من إنجاز، وبما يتركه المسؤول من أثر في خدمة الوطن والمواطن.

فالمناصب لا تُخلِّد أحدًا، ولا تبني وطنًا، وإنما يُخلِّد المرءَ ما يتركه من أثر. وعندما يغادر المسؤول منصبه، لن يسأل الناس: كم سنة بقي فيه؟ بل: ماذا غيَّر؟ وماذا أنجز؟ وماذا ترك لوطنه؟ فالمناصب لا تبني الأوطان، وإنما تبنيها العقول المنفتحة، والإرادة الصادقة، والقرارات الشجاعة، والقيادات التي ترى في خدمة الوطن رسالةً وأمانة، قبل أن تراها منصبًا أو امتيازًا.

 

الأكثر قراءة

z