قدر الجغرافيا

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي**

إدارة الموارد الاقتصادية تحتاج إلى التخطيط السليم والتنفيذ الأمين؛ وقبل ذلك كله، مرونة القوانين والتشريعات التي تساعد على انسيابية التجارة الحرة، وتبسيط الإجراءات للمستثمرين من جانب، وكذلك وضع الاشتراطات اللازمة لحماية البيئة وحقوق الوطن والمواطن من جانب آخر؛ وذلك لكون بعض المصانع غير صديقة للبيئة، وينتج عنها تلوث وأذى للسكان. فالتوازن بين الفوائد الاقتصادية والأضرار المتوقعة من تلك الصناعات يجب أن يُحسب بشكل دقيق وصحيح.

وفي كل الأحوال، يبدو لي أنه قد حان الوقت للاستفادة من الجغرافيا العُمانية ومزاياها الفريدة والفرص المتاحة التي لا تتكرر. ولعل الحرب الحالية على ضفاف الخليج العربي، وما تعرضت له الملاحة البحرية من مخاطر بسبب القرارات غير المدروسة من دول لا تعير القوانين الدولية أي أهمية، وهنا يتضح للعالم أجمع العدوان الأمريكي والإسرائيلي في استهداف إيران ومحاولة إسقاط النظام؛ ثم قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز والعبث بمصير دول الخليج التي تقع داخل حوض الخليج العربي، وعلى وجه الخصوص تلك التي لا منفذ لها خارج هذا المضيق. من هنا يتجلى لنا بكل وضوح المكانة الرفيعة لبلدنا العزيز، والمتمثلة في احتلال السلطنة موقعًا مميزًا بين دول العالم؛ حيث تتوسط ثلاث قارات هي آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وتملك سواحل تمتد من صرفيت جنوبًا إلى مضيق هرمز شمالًا، مشكلةً امتدادًا جغرافيًا بأكثر من 3000 كيلومتر؛ إذ تطل على ثلاث بحار هي: الخليج العربي، وبحر عُمان، وبحر العرب، مما يجعلها، افتراضيًا، في مقدمة الدول في إعادة تصدير البضائع من خلال المناطق الحرة التي تم تأسيسها منذ عقود، دون أن يُكتب لها أن تحقق طموحات الوطن بالكامل، بحيث تنقل الاقتصاد نقلة نوعية، وتفتح آفاقًا جديدة للنمو، وإيجاد فرص عمل جديدة للشباب، بل لم تتجاوز مساهمتها 7.5% من إجمالي الناتج المحلي للسلطنة؛ وهذا يجعلنا نقف على مواضع التحديات ونعالجها بشكل عاجل.

صحيح أن الاستثمارات في المناطق الحرة، التي تجاوز عددها ست مناطق، وصلت إلى نحو 22 مليار ريال عُماني؛ إذ استحوذت الدقم على الجزء الأكبر من تلك الاستثمارات؛ حيث المصانع البتروكيماوية ومصفاة النفط، وهي ثمرة تعاون عُماني كويتي. بينما تُعد المنطقة الحرة في المزيونة الأقل استثمارًا؛ وذلك بإجمالي الاستثمارات التي بلغت مؤخرًا حوالي 140 مليون ريال عُماني فقط. وهذا الرقم يُعد جيدًا بالمقارنة بالسنوات الخوالي التي كانت المزيونة تصدر السيارات المستعملة، وتحتضن أكواخ شاي الكرك فقط.

لا شك أننا، إذا أحسنا إدارة هذه المنطقة، وعرفنا أسرار ومزايا الموقع الجغرافي، يمكن أن تتحول المنطقة الحرة في المزيونة إلى البوابة الواعدة في تصدير المنتجات العُمانية، وكذلك إعادة تصدير المنتجات الأخرى القادمة من دول العالم إلى البلد الجار الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من 43 مليون نسمة.

إن إطلالة الموانئ العُمانية على بحر عُمان وبحر العرب خارج المضيق جعل منها قيمة مضافة، ليس فقط للاقتصاد العُماني، بل يمكن أن تعمل كرأس حربة، والمنقذ للأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، وعلى وجه الخصوص الكويت، وقطر، والبحرين؛ بحيث يتم استخدام المنافذ البرية للاستيراد والتصدير من موانئ الدقم، وصحار، وصلالة.

ومن أهم المشاريع الواعدة التي، لو تم تنفيذها، سوف تجعل المرور عبر هرمز من الماضي، مشروع الأنبوب من السعودية ودول المجلس الأخرى عبر صحراء الربع الخالي لنقل النفط إلى الأراضي العُمانية، وتحديدًا الدقم أو صلالة، بهدف تخزينه ثم تصديره إلى الخارج عبر بحر العرب، بعيدًا عن استفزازات الحرس الثوري الإيراني، ونظرته الضيقة بزعم أن هرمز لا يخضع للقانون الدولي للبحار، الذي وقعت عليه الحكومة الإيرانية عام 1982، ثم تراجعت عن التصديق عليه عام 1994.

وفي الختام، الاقتصاد الذي يعتمد على عقول الكوادر الوطنية، التي يمكن لها أن تنتج صناعات محلية ذات جودة عالية، يجب أن يكون من أهم أولوياتنا في المرحلة القادمة. كما أن إقناع المستوردين للبضائع والسلع ومواد البناء يجب أن يكون عبر الموانئ العُمانية التي أصبحت يُشار إليها بالبنان في الأداء والتميز في الإنجاز.

ومن المؤسف أن نواجه بعض التحديات، وأن ننتظر طلبات البضائع من الدول المجاورة لأيام، مثل بعض مواد البناء كأقفال وساعات الأبواب والزجاج المعروف بـ(كرتن وول) والأقمشة. وهذا يحدث بعد عقود من عمر الصناعة العُمانية، التي تحتاج إلى استراتيجية جديدة، وتطوير نوعي في هذا القطاع المهم، الذي يُعد البديل عن النفط في قادم الأيام، إذا ما أُحسن إدارة هذا القطاع الذي يشكل عصب الحياة للدول التي تبحث عن موقع متقدم في هذا الكوكب.

**أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z