سياحة الكهوف.. ثروةٌ تحت الأرض واقتصادٌ فوقها

 

 

 

د. سالم بن حسن الشنفري

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم إلى ابتكار منتجات سياحية جديدة تعزز اقتصادها، وتطيل مدة إقامة الزائر، تمتلك سلطنة عُمان ثروة طبيعية لا تزال معظمها خارج دائرة الاستثمار المنظم، منها الكهوف المنتشرة في جبالها وأوديتها وسهولها.

وقد حققت الحكومة خلال السنوات الأخيرة إنجازات ملموسة في تطوير القطاع السياحي من خلال الاستثمار في البنية الأساسية والمرافق والخدمات، انسجامًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، إلا أن بعض الموارد الطبيعية الواعدة ما زالت تنتظر أن تتحول إلى مشاريع اقتصادية مستدامة، وفي مقدمتها سياحة الكهوف.

لم تعد الكهوف في العالم مجرد معالم جيولوجية يقصدها الباحثون، بل أصبحت صناعة سياحية متخصصة تستقطب ملايين الزوار سنويًّا، وتولد دخلًا يمتد أثره إلى قطاعات النقل والإيواء والمطاعم والتجارة والخدمات الأخرى، فضلًا عن خلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد المحلي. وتشير الدراسات الدولية إلى أن الكهوف السياحية حول العالم تستقبل أكثر من سبعين مليون زائر سنويًّا، وتحقق إيرادات مباشرة بمئات الملايين من الدولارات، بينما تتجاوز عوائدها الاقتصادية ذلك بكثير عند احتساب الإنفاق على الخدمات والأنشطة المصاحبة.

وعُمان تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون إحدى أبرز وجهات هذا النوع من السياحة في المنطقة. فالدراسات الجيولوجية تشير إلى وجود ما يقارب 2000 كهف موزعة في مختلف المحافظات، تتميز بتنوعها وتكويناتها الطبيعية النادرة، ففي محافظة جنوب الشرقية يقع كهف مجلس الجن، أحد أكبر القاعات الكهفية المعروفة في العالم، الذي يستقطب هواة المغامرات والاستكشاف من مختلف الدول، وفي محافظة ظفار يبرز كهف طيق بوصفه من أضخم الكهوف الطبيعية، إلى جانب طوي أعتير (بئر الطيور) الذي يعد من أكبر الهوات الطبيعية وأكثرها إثارة، فضلًا عن كهف المرنيف المطل على شاطئ المغسيل، وكهف صحور، وهي مواقع تمتلك جميعها مقومات سياحية عالمية إذا ما أُحسن تأهيلها وتسويقها. كما تضم محافظة الداخلية كهف جرنان، إلى جانب كهف الهوتة الذي يمثل التجربة العُمانية الرائدة في استثمار الكهوف سياحيًّا، ويمكن البناء على نجاحه لتطوير مواقع أخرى في مختلف المحافظات.

وتؤكد تجربة كهف الهوتة أن الاستثمار في هذا القطاع ليس فكرة نظرية، بل فرصة اقتصادية قائمة بالفعل، فقد أصبح الكهف محطة رئيسة في البرامج السياحية، واستقبل خلال السنوات الماضية عشرات الآلاف من الزوار، مما يعكس وجود طلب متزايد على هذا النوع من السياحة. وإذا كان كهف واحد قد أثبت جدواه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو جرى تطوير مجموعة من الكهوف الأخرى وفق معايير عالمية؟

إنَّ القيمة الاقتصادية لسياحة الكهوف لا تقاس برسوم الدخول فقط، بل بما تنشئه من حركة اقتصادية متكاملة، فكل زائر يحتاج إلى وسائل نقل، وإقامة، ومطاعم، وأدلاء سياحيين، وأنشطة ترفيهية، بالإضافة إلى اقتنائه منتجات من الحرفيين والأسواق المحلية، بما ينعكس مباشرة على دخل الأسر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويساهم في خلق وظائف نوعية للشباب في المحافظات، ويعزز التنمية خارج المراكز الحضرية.

ولإدراك حجم الفرصة، يكفي تصور تطوير 10 كهوف فقط وفق معايير دولية، بحيث يستقبل كل منها 50 ألف زائر سنويًّا، وبمتوسط إنفاق يبلغ 30 ريالًا عُمانيًّا للزائر على التذاكر والخدمات والإقامة والأنشطة المصاحبة، فإن حجم الإنفاق السياحي قد يصل إلى نحو 15 مليون ريال عُماني سنويًّا، قبل احتساب الأثر الاقتصادي غير المباشر الذي يمتد إلى قطاعات النقل والتجزئة والضيافة والاستثمار المحلي، ومع نجاح التجربة وتسويقها عالميًّا، يمكن أن تتضاعف هذه العوائد بصورة تدريجية.

وليس ذلك مجرد تصور نظري، فقد أثبتت التجارب الدولية أن الكهوف يمكن أن تتحول إلى روافد اقتصادية حقيقية متى ما أُديرت باحترافية، وتستقبل بعض الكهوف السياحية في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية مئات الآلاف من الزوار سنويًّا، وتحقق ملايين الدولارات من إيرادات التذاكر وحدها، فضلًا عن العوائد غير المباشرة التي تستفيد منها الفنادق والمطاعم وشركات النقل والمغامرات والأسواق المحلية. وإذا كانت تلك الدول قد نجحت في تحويل تكوينات طبيعية تحت الأرض إلى صناعة سياحية مزدهرة، فإن سلطنة عُمان تمتلك من التنوع الجيولوجي، وروعة الطبيعة، والاستقرار، وسهولة الوصول إلى العديد من المواقع، ما يؤهلها لتحقيق نتائج مماثلة؛ بل وتقديم تجربة أكثر تميزًا على مستوى المنطقة إذا ما استثمرت هذه الثروة وفق رؤية وطنية متكاملة.

إن التحدي اليوم لا يكمن في اكتشاف الكهوف؛ فهي موجودة منذ آلاف السنين، وإنما في اكتشاف قيمتها الاقتصادية. فالفرق بين المورد الطبيعي والثروة الاقتصادية هو وجود رؤية استثمارية تحول الجمال الطبيعي إلى قيمة مضافة، وتحول الزائر إلى محرك للتنمية، والموقع الجغرافي إلى فرصة استثمارية مستدامة.

غير أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالتطوير العمراني وحده، بل بحماية هذه الثروة الطبيعية. فالكهوف تمثل إرثًا جيولوجيًّا وبيئيًّا نادرًا، وينبغي كذلك أن تخضع لإستراتيجيات إدارة مستدامة، تشمل تحديد الطاقة الاستيعابية، وإنشاء ممرات آمنة، واستخدام تقنيات إضاءة صديقة للبيئة، وتأهيل مرشدين متخصصين، بما يضمن المحافظة على هذه المواقع للأجيال القادمة.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، فالحكومة تضطلع بإعداد خريطة وطنية للكهوف، وتصنيفها بحسب قيمتها السياحية والبيئية، وتوفير البنية الأساسية، ووضع الأطر التنظيمية، بينما يتولى القطاع الخاص تطوير المرافق وإدارة المواقع، وإنشاء الأنشطة المصاحبة، وتسويقها محليًّا ودوليًّا، مع تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات المحلية من أن تكون شريكًا أساسيًّا في هذا القطاع الواعد.

كما أن نجاح هذه الصناعة يرتبط بالتسويق الاحترافي، من خلال إدراج الكهوف العُمانية ضمن برامج سياحة المغامرات العالمية، وربطها بمسارات المشي الجبلي، والتخييم، والتصوير، والسياحة البيئية، والاستفادة من المنصات الرقمية والمؤثرين المتخصصين، حتى تصبح عُمان وجهة معروفة لعشاق الكهوف حول العالم، تمامًا كما نجحت في ترسيخ مكانتها في السياحة الطبيعية والثقافية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الموارد الطبيعية لا تحقق عائدًا اقتصاديًّا لمجرد وجودها، وإنما عندما تتحول إلى منتجات سياحية متكاملة تُدار باحترافية، وعُمان تمتلك كل المقومات اللازمة؛ من تنوع جيولوجي، واستقرار، وبنية أساسية متطورة، وسمعة سياحية متنامية، ولم يعد ينقصها سوى إطلاق مشروع وطني طموح يجعل من سياحة الكهوف أحد الروافد الجديدة للاقتصاد الوطني.

ولعل الوقت قد حان لإطلاق الإستراتيجية الوطنية لسياحة الكهوف، تتضمن حصر الكهوف وتصنيفها، وتأهيل القابل منها للاستثمار، وطرحها في شراكات مع القطاع الخاص، مع تقديم حوافز للمشروعات الملتزمة بالاستدامة البيئية وتشغيل الكفاءات الوطنية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z