تشو شيوان **
تتجه أنظار العالم مجددًا إلى القمة المرتقبة بين الرئيسي الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب. ولا يقتصر الاهتمام على المواضيع مثل التجارة والتكنولوجيا ومسألة تايوان والقضايا الدولية والإقليمية الساخنة فحسب؛ بل يمتد أيضًا إلى مسألة أكثر جوهرية: ما إذا كانت إحدى أهم العلاقات الثنائية في العالم قادرة على التحرك نحو نمط أكثر استقرارًا.
في مايو الماضي، عقد الرئيسان الصيني والأمريكي اجتماعًا في بكين، واتفق الجانبان على العمل نحو بناء علاقات صينية أمريكية بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي. كما أكد الرئيس شي أن الصين ترغب في تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة على أساس الاحترام المتبادل والتعايش السلمي وتحقيق المنفعة المتبادلة والفوز المشترك. وبعد بضعة أشهر فقط، يأتي اللقاء الجديد ليشكل امتدادًا لذلك التوافق، واختبارًا مُهمًا لقدرة الطرفين على تحويل هذا التوجه من مفهوم سياسي إلى مسار أكثر استقرارًا في الممارسة.
لقد أصبح من الواضح أن المنافسة والخلافات بين الصين والولايات المتحدة لن تختفي بسبب قمة واحدة. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل عمق الترابط في المصالح بين البلدين، ولا التأثير الواسع لعلاقاتهما على الاقتصاد العالمي والأمن الدولي. ومن ثم، فإن المسألة الأساسية لا تكمن في إنهاء المنافسة، بل في كيفية إدارتها؛ ولا في إزالة جميع الخلافات، بل في منعها من التحول إلى مواجهة.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الاستقرار الاستراتيجي البنّاء؛ فالبعد «البنّاء» يعني أن العلاقات الصينية الأمريكية لا ينبغي أن تُحصر في إطار لعبة محصلتها صفر. فإلى جانب الخلافات، توجد مساحات واسعة للحوار والتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ ومكافحة الاحتيال عبر الاتصالات، والقضايا الدولية والإقليمية. ولا يعني ذلك تجاهل التباينات، بل إدارتها مع الحفاظ على المصالح المشتركة ومجالات التعاون الممكنة. أما «الاستقرار الاستراتيجي» فيعني، في جوهره، وضع حدود للمنافسة، وبناء آليات لإدارة الخلافات، وتعزيز القدرة على التنبؤ بمسار العلاقات.
لقد أظهر تطور العلاقات الدولية خلال السنوات الماضية أن مصدر القلق الحقيقي لا يتمثل فقط في وجود المنافسة بين القوى الكبرى، بل في احتمال خروجها عن السيطرة؛ فاحتكاك اقتصادي محدود قد يمتد إلى مجالات أخرى، ومنافسة تكنولوجية قد تتحول إلى فصل واسع بين الأسواق وسلاسل الإمداد، كما أن سوء تقدير في ملفات حساسية قد يقود إلى تصعيد يصعب احتواؤه. وبالنسبة إلى قوتين بحجم الصين والولايات المتحدة، لا يعني الاستقرار غياب المشاكل، بل امتلاك ما يكفي من الحكمة السياسية وآليات التواصل وإدارة الأزمات لمنع المشاكل من تجاوز حدودها.
إن أهمية القمة المقبلة لا تُقاس فقط بعدد التفاهمات التي قد يتم التوصل إليها، بل بقدرة الجانبين على تعزيز التواصل الاستراتيجي على أعلى مستوى، وتحويل التوافقات السياسية إلى توقعات أكثر استقرارًا واستمرارية، وذلك لا يتعلق بالصين والولايات المتحدة وحدهما، بل يرتبط أيضًا بصورة مباشرة بمصالح العالم العربي.
الصين أصبحت شريكًا اقتصاديًا وتجاريًا مُهمًا لعدد كبير من الدول العربية، في حين لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بحضور سياسي وأمني واقتصادي مؤثر في الشرق الأوسط. وفي السنوات الأخيرة، أولت دول عربية متزايدة أهمية أكبر للاستقلالية الاستراتيجية وتنويع الشراكات، انطلاقا من مصالحها الوطنية، بعيدًا عن منطق الاصطفاف الحاد بين القوى الكبرى.
ومن هذا المنظور، فإن تصاعد المنافسة الصينية الأمريكية لا يضيف ضغوطًا على العلاقات الثنائية فقط، بل قد يضيّق أيضا هامش الحركة أمام دول أخرى، ويزيد من حالة عدم اليقين في التجارة والطاقة والأسواق المالية وسلاسل الإمداد. أما وجود إطار أكثر استقرارًا للعلاقات بين بكين وواشنطن، فمن شأنه أن يمنح الدول العربية مساحة أوسع لتطوير علاقاتها مع مختلف القوى الكبرى وفقا لأولوياتها التنموية والاستراتيجية. وبذلك، تتجاوز القمة المرتقبة حدود العلاقات الصينية الأمريكية نفسها.
العالم يشهد تحولات عميقة، وتتقدم التعددية القطبية، فيما يتعاظم دور دول الجنوب العالمي في الشؤون الدولية. وفي هذا السياق، ستؤثر الطريقة التي تدير بها القوى الكبرى خلافاتها ومنافستها بصورة مباشرة في ما إذا كان النظام الدولي سيتجه نحو مزيد من التعاون والاستقرار، أم نحو مزيد من الانقسام والتجزؤ.
ومن الطبيعي ألا تحل قمة واحدة جميع الخلافات بين الصين والولايات المتحدة. كما أن المطلوب واقعيا ليس علاقات بلا منافسة أو خلافات، بل علاقة قادرة على استيعاب الاختلافات، وإدارة المنافسة، وتجنب المواجهة. وإذا نجحت القمة المقبلة في دفع الجانبين إلى تنفيذ التوافقات التي توصل إليها قائدا البلدين، ووضع المنافسة ضمن حدود قابلة للإدارة، وتعزيز قنوات التواصل، وتوسيع مجالات التعاون الممكنة، فإن دلالاتها ستتجاوز نتائج زيارة واحدة أو مجموعة من التفاهمات المحددة.
وفي عالم تتزايد فيه عوامل عدم اليقين، فإنَّ قدرًا أكبر من العقلانية وضبط النفس والتواصل بين القوى الكبرى يمثل في حد ذاته إسهاما مهما في الاستقرار الدولي. ومن هذا المنطلق، فإن القمة الصينية الأمريكية المرتقبة لا تتعلق فقط بالاتجاه الذي ستسلكه العلاقات بين بكين وواشنطن، بل أيضًا بمدى قدرة العالم على الحصول على مزيد من الاستقرار واليقين.
** إعلامي صيني
