معارك ضد النفس ومدارك نحو الشفاء

 

 

عبده الأسمري**

abdualasmari@hotmail.com

 

تتمدد اتجاهات الأمراض النفسية، وتتعدد أبعاد الهوية المرضية، وغالبًا ما يركز "الطب النفسي" و"علم النفس العيادي" و"قطاع الاستشارات" بكل تخصصاته على تحسن المريض والوصول إلى شفائه، ولكن هنالك "مكامن خلل" لا تزال في حيز "التغافل"، تسببت في ارتفاع عدد المرضى النفسيين، ووجود حالات "انتكاسة" للمرضى، التي ضاعفت التحديات في هذا المجال.

لقد تجاوز "الأمر" حدود "المرض النفسي" إلى ما هو أخطر، من خلال وجود "جذور" للأسباب تقتضي "الاجتثاث". بعضها ظل واضحًا ومفهومًا، وبقي جزء منها خلف ستار "الخفاء"، ونوع آخر يقتضي الدراسة والتحليل.

وبنظرة تحليلية نفسية وسلوكية، فإن الأسباب اجتمعت في مواجهة شرسة مع البشر، لتتحول إلى "معارك" تقتضي الوقاية والمناعة الاستباقية، وتتطلب الدفاع أمام "هجمات" مؤكدة أو متوقعة، وحتى خفية، وتستوجب فهم واستيعاب "الإنسان" لتخطيط "الكتائب" السرية والخفية والجهرية التي تنصب "شراك" المرض، وتتربص "الدوائر" بهذا المخلوق لإسقاطه كضحية "مرضية" في أعراض تهاجم النفس، وتؤرق الفكر، وتشغل البال، وتنزع "طمأنينة" الفؤاد، وتبدد "سكينة" الذات، وتنشر "القلق" في كل مفاصل "العيش".

منذ عقدين من الزمن بدأ الزحف التقني بموجات وجهت مدها نحو تركيبة العقل الإنساني، حيث بدأت بخطط تكتيكية عالية المستوى، وبسطت مساحات المساعدة والحلول الرقمية في فضاء بشري ينجذب إلى تسريع العمل، واختصار الوقت، وتقليل الجهد، مع توفير ساحات مفتوحة لجذب ميول البشر العميقة والفطرية والمتسارعة نحو حب الاستطلاع، فبدأ الإنسان بالانجذاب "المشفوع" بالتطور إلى مدارات ودوائر المجال التقني، ضمن فرق بشرية رأت في التطور الرقمي ملاذًا للإنجاز، ووجدت في التغير التكنولوجي مسرحًا للتغيير.

ومع تطور الزمن وثورة التغيير التكنولوجي، وقع الكثير في "هوس" التقنية، ووجدت "عصابات" الألعاب الإلكترونية الأبواب "مشرعة" لبث "سموم" الانشغال، والتوتر، والقلق، والإحباط، والخوف نحو "الأطفال"، الذين يمثلون شريحة قابلة "للتعديل"، ومهيأة للتضليل، من خلال تسويق وتصدير "ألعاب" خطرة مثل "الحوت الأزرق" و"روبلوكس" وغيرها، التي صنعت "أجيالًا" هشة مدمرة ذهنيًا، وقد وقع البعض ضحية "الانتحار" بسبب ما تحمله من "موجهات تقنية" خطيرة تهاجم العقل والقلب، وتدمر "الجهاز النفسي"، وتزعزع "الثبات" الانفعالي لدى الطفل، وترميه في هوة سحيقة من "الإدمان التقني" و"الخوف الذاتي".

وقد لعبت "مافيا" التقنية أدوارًا مبرمجة ضمن "تخطيط" دقيق لمهاجمة "عقول الشباب والفتيات"، وهما "الشريحتان" اللتان يُبنى عليهما "مستقبل" الأمم، من خلال الإيحاء لهم بالانجذاب نحو "النماذج" البشرية، وتحويلهم إلى "مشاهير"، والمضي على نهجهم "البائس" في اللبس والحديث والسلوك والمسلك، ضمن خطوات "مدروسة" واصلت التوغل إلى أعماق الشاب والفتاة، وإيهامهم بضرورة "التحرر" بعيدًا عن "الحرية" المتزنة، وحتمية "الاستقلال" بمنأى عن "العائلة"، وذلك لهدم "النسيج الاجتماعي".

تعددت "المعارك" المنظمة في مهاجمة "الصحة النفسية" للإنسان؛ لأنها "الغطاء الآمن" الذي يضمن الحياة المطمئنة، وهي "حجر الأساس" في بناء منظومة القيم، و"الأصل الراسي" في تشييد صروح المستقبل. وقد تشكلت هذه المعارك من التقنية، ومن كل "تخطيط" يغير "وجه" الصواب، ويؤصل معنى "السوء"، ويبدل "هوية" الانضباط والالتزام بالتربية الصحيحة والفطرة السليمة.

الصحة النفسية "أساس" للجسم السليم والوعي الفكري، و"أصل" للسلوك السوي والمسلك الصائب. وعندما يحل المرض النفسي، فنحن أمام منظومة متكاملة تقتضي دراسة الأسباب، وتوفير خطط العلاج المكتمل من عقاقير "طبية" للحالات المحتاجة، أو جلسات "سلوكية"، وإرشاد، وتوجيه، وتأهيل، مع ضرورة المضي في حصد ثمار "التحسن" تدريجيًا باتجاه "الشفاء" التام، ومنع "حالات" الانتكاسة، مع ضرورة توفير "دراسات نفسية تحليلية معرفية" لمعرفة الأسباب ومكامن "الخلل"، وتوظيف أسس وأصول المناعة النفسية التي تشكل خط "دفاع أول" نحو المؤثرات والصدمات والأزمات التي تصنع "المرض النفسي"، وصولًا إلى بناء "صروح" التخطيط القائم على أعمدة من "السواء"، وأركان من "الاقتداء".

 

**أديب وكاتب ومستشار سعودي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z