هل تعثُر بلادي على الكنز؟!

 

 

فايزة سويلم الكلبانية

Faizaalkalbani1@gmail.com

قبل عقود، كانت الموانئ تُقاس بعدد الأرصفة وعمق المياه، أما اليوم فهي تُقاس بقدرتها على قيادة الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات، وربط الدول بالأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، تمتلك سلطنة عُمان فرصة استثنائية قد لا تتوافر لكثير من الدول، فموقعها الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي وبحر عُمان، وشريطها الساحلي الممتد على أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، يمنحها أفضلية استراتيجية تجعلها مؤهلة لتكون واحدة من أهم المراكز اللوجستية والتجارية في المنطقة، إلا أن هذه الميزة الطبيعية، رغم أهميتها، ما زالت بحاجة إلى استثمار أكثر جرأة ورؤية أكثر طموحًا؛ لأن الإمكانات المتاحة أكبر بكثير مما تحقق حتى الآن.

لقد أدركت دول العالم أن الموانئ لم تعد مجرد منافذ بحرية لعبور السفن، بل أصبحت محركات للتنمية الاقتصادية، ومنصات للصناعات، ومراكز لإعادة التصدير، وعصبًا رئيسيًا لسلاسل الإمداد العالمية. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الدولي، والتطورات الجيوسياسية التي تؤثر، بين الحين والآخر، في حركة الملاحة عبر الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، باتت الشركات العالمية تبحث عن موانئ تتمتع بالاستقرار والكفاءة والقدرة على ضمان استمرار تدفق التجارة بأقل قدر من المخاطر، ومن هنا تتضاعف أهمية الموانئ العُمانية، التي تمتلك ميزة جغرافية فريدة بوجود عدد منها خارج مضيق هرمز، مما يمنحها قدرة أكبر على استيعاب حركة التجارة وتعزيز استمرارية سلاسل الإمداد في مختلف الظروف.

وتضم سلطنة عُمان منظومة موانئ تمتلك مقومات تؤهلها للعب أدوار تكاملية؛ فميناء صلالة رسخ مكانته كمركز عالمي لإعادة الشحن، وميناء صحار أصبح مركزًا صناعيًا ولوجستيًا مهمًا، بينما يمثل ميناء الدقم المشروع الاستراتيجي الأكثر طموحًا بفضل منطقته الاقتصادية الخاصة وموقعه البحري المتميز، إلى جانب الدور السياحي الذي يؤديه ميناء السلطان قابوس، وبقية الموانئ التي تسهم في دعم التنمية بالمحافظات الساحلية. هذه المنظومة تمنح السلطنة فرصة حقيقية لتكون محورًا رئيسا للتجارة الإقليمية والدولية.

ومن أبرز التحديات التي لا تزال تواجه الموانئ العُمانية محدودية خطوط الشحن البحرية المباشرة مع العديد من الأسواق والوجهات الإقليمية والدولية. إذ تفتقر معظم الموانئ العُمانية إلى خطوط مباشرة مع دول مثل الهند وباكستان والصين، بل وحتى مع بعض الموانئ اليمنية، ومنها ميناء عدن، الأمر الذي يضطر السفن إلى المرور عبر موانئ وسيطة، وفي مقدمتها ميناء جبل علي، قبل مواصلة رحلتها إلى وجهتها النهائية. ويترتب على ذلك زيادة في مدة الشحن والتكاليف، فضلًا عن احتمالية تعرض الشحنات لغرامات وتأخيرات قد تتجاوز، أحيانًا، قيمة الشحنة نفسها. ومن هنا، فإن العمل على استقطاب خطوط ملاحية مباشرة للموانئ العُمانية أصبح ضرورة لتعزيز تنافسيتها، تمامًا كما تسهم الرحلات الجوية المباشرة في رفع كفاءة الربط بين الدول.

ويتطلب تطوير الموانئ العُمانية بناء منظومة اقتصادية متكاملة حولها، تشمل الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية ومراكز إعادة التصدير، إلى جانب التحول نحو الموانئ الذكية، بما يعزز القيمة المضافة ويرفع كفاءة التشغيل والتنافسية.

كما يتطلب تعزيز تنافسية الموانئ العُمانية تسريع الإجراءات، وتقليص زمن التخليص الجمركي، والحد من البيروقراطية، بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويحسن تجربة المستثمرين والمتعاملين. كما يمثل تطوير ميناء السويق وتفعيل دوره الاقتصادي إضافةً مهمةً لمنظومة الموانئ العُمانية، بما يعزز التنمية في المحافظات ويدعم حركة التجارة والصناعات المرتبطة بها.

كما أن الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتقديم حوافز جاذبة للمستثمرين، والتوسع في تسويق الموانئ عالميًا، تمثل ركائز أساسية لتحويل الموقع الاستراتيجي لعُمان إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، وترسيخ مكانتها كمركز لوجستي يربط بين الشرق والغرب.

فالموانئ ليست مجرد منافذ بحرية، بل محركات للتنمية والتنويع الاقتصادي، واستثمارها بكفاءة كفيل بأن يجعل سلطنة عُمان مركزًا عالميًا للتجارة والاستثمار خلال السنوات المقبلة.

الأكثر قراءة

z