المجالس ليست منصة للشهرة

 

 

حمود بن سعيد البطاشي

لا تُقاس المجتمعات المتقدمة بكثرة من يتحدثون عن التنمية، بل بمن يعملون بصمت من أجلها. وكلما اقتربت مواسم انتخابات المجالس البلدية أو مجلس الشورى، عاد إلى الواجهة مشهد يتكرر حتى أصبح مألوفًا؛ وجوه لم يكن لها حضور يُذكر في العمل المجتمعي، ولا أثر واضح في المبادرات الوطنية، ولا مساهمة معروفة في معالجة هموم الناس، لكنها تظهر فجأة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنَّ العمل العام يبدأ مع موسم الانتخابات وينتهي بانتهاء صناديق الاقتراع.

ليس في هذا الحديث اعتراض على حق الترشح، فهذا حق كفله النظام لكل مُواطن تتوافر فيه الشروط، كما أن من حق الجميع أن يعرضوا برامجهم وأفكارهم أمام المجتمع. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الظهور الإعلامي إلى بديل عن الإنجاز، وحين تصبح المنصات الرقمية وسيلة لصناعة صورة لا يسندها تاريخ من العمل أو سجل من العطاء.

لقد فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا، فمنحت الجميع فرصة الوصول إلى الناس، لكنها في الوقت ذاته صنعت وهمًا لدى البعض بأنَّ كثرة الظهور تعني بالضرورة امتلاك الكفاءة، وأن ارتفاع عدد المشاهدات يكفي لصناعة شخصية عامة مؤهلة لتحمل مسؤولية العمل الوطني، والحقيقة أن بين الشهرة والكفاءة مسافة كبيرة، وأن بين صناعة المحتوى وصناعة القرار فرقًا لا تدركه إلا العقول التي خبرت العمل المؤسسي.

المجالس البلدية ومجلس الشورى ليست مساحة للخطابة، ولا ساحة للمزايدات، ولا منصة لتصفية الحسابات أو صناعة البطولات الفردية. إنها مؤسسات وطنية تؤدي أدوارًا دقيقة، تحتاج إلى معرفة بالأنظمة، وإدراك لأولويات الدولة، وقدرة على قراءة الواقع، ومهارة في الحوار، وفهم لطبيعة التخطيط التنموي. ومن يظن أن إدارة الشأن العام لا تتطلب سوى الحديث أمام الكاميرا، فإنِّه يختزل مسؤولية وطنية كبيرة في مشهد إعلامي عابر.

ومن خلال المتابعة، يلاحظ المتابع أنَّ بعض الخطابات الانتخابية تتجه إلى تضخيم القضايا، أو تصوير المشروعات وكأنها متوقفة بسبب غياب شخص بعينه، بينما الحقيقة أن التنمية في أي دولة حديثة تقوم على مؤسسات، وخطط، ودراسات، واختصاصات، وميزانيات، ولا تُدار بردود الأفعال أو بالخطابات العاطفية. ومن الإنصاف أن تُناقش المشروعات بموضوعية، وأن تُطرح الملاحظات بروح المسؤولية، بعيدًا عن المبالغة أو توظيفها لتحقيق مكاسب انتخابية.

والأجمل في هذا المشهد أنَّ المجتمع نفسه تغيّر. فالناخب اليوم أكثر وعيًا مما كان عليه قبل سنوات، وأصبح يُميز بين من يحمل مشروعًا حقيقيًا، ومن يحمل حملة إعلامية فقط. لم يعد الناس يسألون: من الأكثر ظهورًا؟ بل أصبح السؤال: ماذا قدم هذا الإنسان قبل أن يطلب ثقتنا؟ وأين كان حضوره حين لم تكن هناك انتخابات؟ وما الذي أضافه لمجتمعه في سنوات العمل، لا في أسابيع الدعاية؟

إنَّ الوطن لا يحتاج إلى أصوات مُرتفعة بقدر حاجته إلى عقول راجحة. ولا يحتاج إلى من يكثرون من الوعود، بل إلى من يُحسنون قراءة الواقع وصناعة الحلول. فالمجالس الناجحة هي التي تضم شخصيات قادرة على أن تكون شريكًا للحكومة في التخطيط والتنمية المستدامة، تنقل احتياجات المجتمع بصدق، وتناقشها بعلم، وتسعى إلى تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ، لا إلى عناوين تتصدر المنصات لساعات ثم تختفي.

ولعلَّ المرحلة المُقبلة تفرض علينا جميعًا مسؤولية أكبر؛ حكومةً، ومؤسسات، وناخبين، ومرشحين. فالمطلوب أن ترتفع معايير الاختيار، وأن يكون الإنجاز هو اللغة المشتركة بين الجميع، وأن يُنظر إلى العمل العام بوصفه تكليفًا ثقيلًا، لا وسيلة للوجاهة أو الشهرة.

فالأوطان لا تحفظ أسماء الذين أكثروا من الكلام، لكنها لا تنسى أولئك الذين صنعوا أثرًا حقيقيًا في حياة النَّاس. ولذلك سيبقى المعيار الذي لا يسقط بالتقادم بسيطًا وواضحًا: قدّم لوطنك عملًا قبل أن تطلب من وطنك ثقة، فالتاريخ لا يكتب أسماء العابرين، بل يخلد أصحاب الأثر.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z