سليمان الجابري
لنتأمل معًا أن كل مرحلة من مراحل التطور الإنساني كانت كذلك؛ الأدوات تتغير، ولكن يبقى الإنسان هو العنصر الحاسم في صناعة الفرق بينها. واليوم، ونحن نعيش مرحلة يتسارع فيها الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة، لم يعد التحدي في الوصول إلى التقنية والحصول عليها؛ لأن الجميع أصبح يمتلكها. ولم يعد سر التميز في معرفة أسماء المنصات أو بعدد التطبيقات المستخدمة؛ لأن هذه المعرفة أصبحت متاحة للجميع، دون استثناء. بل أصبح التحدي الحقيقي والأكبر في نوعية التفكير الذي يقود استخدام هذه الأدوات، وفي القدرة على تحويلها إلى قرارات أكثر حكمة، وإلى ممارسات أكثر جودة، وإلى أثر يبقى طويلًا بعد انتهاء كل مشروع وكل مبادرة...
وعندما نتدارك أنفسنا بسؤال بديهي يتبادر إلى مخيلتنا: (هل ستكون هناك مهارة بشرية لها قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي؟)، فالذكاء الاصطناعي لا يضيف قيمة حقيقية لمجرد أنه حاضر في أعمالنا، وإنما تبرز قيمته الواقعية عندما يصبح جزءًا من طريقة التفكير لدينا، وعندما يساعد القائد التربوي والمعلم والإداري والموظف على رؤية ما لا يظهر في النظرة الأولى، وكذلك على قراءة البيانات بعمق، وبناء البدائل قبل اتخاذ القرار، والانتقال من معالجة المشكلات إلى استشرافها قبل وقوعها مستقبلًا.
لقد تعلمت فعلًا من سنوات العمل في الميدان التربوي أن المؤسسات، أيًّا كان نوعها، لا تتغير بكثرة المبادرات بها، وإنما تتغير عندما تتغير طريقة التفكير داخلها، وأن حقيقة جودة التعليم ليست وثائق تُحفظ في الملفات، ولا مؤشرات تُرفع في التقارير السنوية أو الشهرية أو اليومية، وإنما ثقافة يومية تبدأ من السؤال الصحيح، ثم تتحول إلى قرار مسؤول، ثم إلى ممارسة واعية، ثم إلى نتائج يشعر بها الطالب والمعلم وولي الأمر والمجتمع...
ولهذا، فإن التحول الرقمي الحقيقي لا يقاس بعدد الأنظمة الإلكترونية، ولا بحجم الاستثمار في التقنيات، وإنما يقاس بقدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، وعلى بناء بيئة تتعلم باستمرار، وعلى ترسيخ الحوكمة والمساءلة والتحسين المستمر، باعتبارها ممارسات أصيلة لا استجابات مؤقتة فقط...
وهذا هو الاتجاه الذي نراه ونمضي إليه بثقة من خلال رؤية "عُمان 2040"، التي جعلت الإنسان المحور الأساسي للتنمية، وجعلت المعرفة والابتكار والجودة أدوات لبناء المستقبل. كما أن معايير الهيئة العُمانية لضمان جودة التعليم لم تركز على امتلاك التقنية فقط، بقدر تركيزها على أثرها في تحسين الأداء، ورفع كفاءة المؤسسة، وتعزيز قدرتها على التعلم والتطوير، واتخاذ القرار الرشيد المناسب.
إن القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تقاس بسرعة الإجابة، وإنما بعمق السؤال نفسه، ولم تعد تقاس بكمية المعلومات، وإنما بحسن توظيفها، ولم تعد تقاس بامتلاك الحلول الجاهزة، وإنما بالقدرة على بناء الحل المناسب في الوقت المناسب، وبالشراكة مع العقول والخبرات والبيانات...
وأؤمن، بشكل أساسي، أن المهارة البشرية التي ستصبح الأغلى ثمنًا في السنوات القادمة ليست البرمجة ولا تشغيل الأنظمة، رغم أهميتهما، وإنما الحكمة في التفكير؛ لأن التفكير الواعي هو الذي يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين المعرفة والضجيج، وبين القرار السريع والقرار الصحيح، وهو الذي يجعل الذكاء الاصطناعي شريكًا في صناعة النجاح، لا بديلًا عن الإنسان...
فالآلة تستطيع أن تعالج ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها لا تمتلك ضميرًا يحكم، ولا قيمًا ترشد، ولا رسالة تؤمن بها، ولا مسؤولًا يتحمل نتائج القرار...
لقد أثبتت التجارب أن القيمة الحقيقية لا تظهر عندما نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب لنا تقريرًا، أو يصمم عرضًا، أو يلخص كتابًا، وإنما عندما يساعدنا على رؤية المشكلات من زوايا جديدة، واكتشاف فرص لم تكن واضحة لدينا، وصناعة حلول أكثر واقعية وفاعلية. ولهذا، سيظل الإنسان الواعي هو الثروة الحقيقية لكل مؤسسة، وسيظل القائد التربوي والمعلم والإداري والموظف، الذي يحسن التفكير قبل أن يحسن استخدام التقنية، هو الأكثر قدرة على صناعة المستقبل؛ لأن المستقبل لن يكون لمن يمتلك أدوات أكثر، بل لمن يمتلك رؤية أوضح، وفكرًا أعمق، وإنسانية أعلى.
