آية السيابي
عرفتُ الفتاة الشابة كيميا خاتون، وقد جاء ذكرها نتفًا في مصادر متفرقة، فازداد فضولي للبحث عنها بعد أن تشكل لدي حدس يقارب اليقين بأنها عاشت بصورة مأسوية خلال فترة ازدهار الصوفية. وهي فتاة عاشت في قونية، فردًا ضمن عائلة جلال الدين الرومي "مولانا"، أي ربيبة الرومي. قيل بأنها متبناة، إذ لم تكن ابنة الرومي بيولوجيًا. وقيل بأنها ابنة زوجته الثانية، التي تدعى كيرا خاتون، من زوجها السابق. وقد تزوج الرومي من كيرا خاتون بعد وفاة زوجته الأولى، التي كانت تدعى جوهر خاتون.
ترعرعت كيميا في بيت الرومي الذي تبناها وأحبها كثيرًا كابنته. وتصف بعض المصادر بأن كيميا فتاة رقيقة، مرهفة الحس، انطوائية، خجلى، وتقضي معظم وقتها في التأمل، لا سيما وأنها نشأت في بيئة مشبعة بالعلم والشعر والتصوف. كما أشارت بعض المصادر إلى وجود إعجاب أو حب متبادل في صمت بين كيميا وبين علاء الدين، وهو الابن الأصغر لجلال الدين الرومي من زوجته المتوفاة. وقد قيل إن علاء الدين كان يحب كيميا حبًا كبيرًا، وكان يرغب في الزواج منها.
ولكن، في العام 1247 ميلادية، تغير كل شيء على مستوى الحياة العائلية لجلال الدين الرومي. فقد تزوجت كيميا من شمس الدين التبريزي بإصرار وجهد حثيث من جلال الدين الرومي، الذي وظف منفعته الشخصية، وأراد لهذا الزواج أن يتم، على الرغم من عزوف شمس الدين التبريزي عن الزواج، لعدم قناعته بمؤسسة الزواج، وانصرافه إلى التأمل والتصوف الشديد. فقد أراد الرومي أن يضمن استقرار وبقاء شمس التبريزي، الذي كان لا يستقر به مكان، ويضرب في الأرض طالبًا التأمل والقرب من الله. وكان ترحاله المستمر يترك الرومي في حالة حزن شديد وعزلة. ففكر الرومي، بحسب المصادر المولوية، بأن استقرار التبريزي في قونية إلى جانبه يجعل إلهامه الشعري والروحي يتدفق بانهمار، كيف لا وهو من علَّمه لذة العشق الإلهي، واختبر معه التجربة الروحية في الوجد الإلهي، بعد أن كان فقيهًا تقليديًا، وعالمًا مبحرًا في علوم الدين، مما جعله مفتيًا وخطيبًا مفوهًا يُلقي الدروس والمواعظ، ويتبعه مريدوه.
أما عن يوم زفاف كيميا لشمس الدين التبريزي، وهو موضوعنا هنا، ووفق ما ذكر في كتاب مناقب العارفين للأفلاكي، فقد جرى الزفاف في منزل الرومي بقونية في احتفال بالغ البساطة. ثم خصص لهما الرومي غرفة مستقلة ملحقة بمنزله الفسيح. وانقضى الزفاف بين فتاة ترفل في العشرين، وقيل بأنها لم تدخل عامها العشرين، وبين شيخ تجاوز الستين من عمره (وفق بعض التقديرات).
ولكن، لم تمضِ الحياة كما أراد لها الرومي، بحسب القليل المثقل بالتأويل الذي وصل إلينا عبر مصادر متفرقة، فقد أصيبت كيميا بحزن شديد وكمد نتج عنه مرض مفاجئ وحمى مشتعلة غاصبة. وقد عرَّف الأفلاكي بأنها مرضت مرضًا شديدًا، قد يكون، بلغة العصر الحديثة، اكتئابًا حادًا نتج عنه الموت كمدًا بعد أشهر معدودات من الزواج.
أما عن أسباب سقوط كيميا في القهر والاكتئاب، فقد أُحيل السبب إلى الزواج غير المتكافئ. فشمس الدين التبريزي كان رجلًا شديد الزهد، حتى في زوجته، معتبرًا بذلك أن هذا الزواج ما هو إلا اختبارًا روحيًا وأخلاقيًا فرضته عليه الظروف، ووجب عليه خوضه بحذر، دون أن يقع في ملذاته الجسدية، عازفًا عن فكرة التمتع في الدنيا، واهبًا جميع ملذاته لزهده. كما كان، بحسب بعض المصادر، حاد المزاج والطباع، غيورًا ورقيبًا صارمًا على زوجته كيميا.
وكان هذا الزواج قصيرًا ومأساويًا للغاية، حيث توفيت كيميا، كما ذكرنا آنفًا، بعد أشهر قليلة جدًا من عقد القران نتيجة للمرض والكمد. وتبع وفاتها اختفاء شمس التبريزي، الذي قيل بأنه قد يكون قُتل في أواخر عام 1248 ميلادية.
اتسمت حياة كيميا مع التبريزي بالعزلة، حيث كان، لشدة غيرته، يمنعها من مغادرة بيتها، مقيدًا بذلك حركتها، وحارمًا لها من رؤية أفراد عائلتها الذين نشأت بينهم. ومن هنا، أصيبت كيميا بصدمة نفسية حادة أمام شيخ غريب الأطوار، حاد في طباعه، هائم في عوالمه الذاتية، بعيدًا عنها. فانطفأت روح الفتاة اليانعة بسبب الكمد الشديد، وغادرت الحياة وهي في زهرة شبابها، مما أثار ضجيجًا كبيرًا، وزلزل أركان بيت الرومي، بدءًا من ابنه علاء الدين، الذي اشتعل غضبًا وكرهًا ضد التبريزي، معتبرًا أنه المسؤول المباشر عن المرض الذي ألم بكيميا وعجل في موتها.
بعد وقت قصير من وفاة كيميا، اختفى شمس الدين التبريزي في ظروف غامضة، ولم يُرَ بعدها أبدًا. حيث قيل بأن علاء الدين اغتال التبريزي انتقامًا لرحيل كيميا قهرًا، ورمى الجثة في بئر، وهذا ما يفسر عدم وجود قبر مؤكد للتبريزي حتى اليوم، على الرغم من وجود مزار تاريخي في إيران يُنسب إليه، كما يوجد موضع رمزي له في قونية، والخلاف ما زال قائمًا حول هذا.
نفر الرومي من ابنه الأصغر علاء الدين، ونبذه، وعامله بجفاء حاد، رافضًا مسامحته حتى وفاة ابنه. فقد اتهمه بقتل ملهمه الروحي. وبلغت ذروة الخلاف بين الأب وابنه برفض الرومي حضور جنازة ابنه، الذي أصيب بمرض عضال وتوفي شابًا، ممتنعًا عن تشييع جثمانه والصلاة عليه.
أما عن الرومي، بعد اختفاء التبريزي، فقد اتخذ من بيته عزلة، باكيًا على التبريزي، تاركًا عائلته ومريديه.
وتشير المصادر إلى أن الرومي كتب لابنه علاء الدين رسائل تقريع عاتبة وشديدة اللهجة قبل وفاته. وكان الرومي يصف في أشعاره ورسائله من آذوا شمس بأنهم أصحاب القلوب المظلمة والجهلة الذين لم يفهموا طاقة العشق الإلهي.
وقد دُفن علاء الدين في المقبرة العائلية داخل المزار بمدينة قونية، في مكان بعيد نسبيًا عن المقام الرئيسي لوالده جلال الدين الرومي، تعبيرًا عن الهوة والشرخ الروحي الكبير الذي حدث بين الأب وابنه بسبب قضية اختفاء شمس التبريزي وموت كيميا خاتون.
ويُعزى السبب في هذه القطيعة بين الأب وابنه إلى سوء أدب الابن مع المعلم والشيخ الروحي شمس التبريزي، واشتراكه مع العوام في ملاحقته واضطهاده حتى اختفائه، وليس بالضرورة بسبب قصة الحب بين كيميا وعلاء الدين.
هذه الأحداث فجرت لدى الرومي أعظم وأعذب قصائد العشق الإلهي والرقص الدائري الذي يسمى المولوي، وخرج لنا بديوان شمس التبريزي.
فمن الذي قتل كيميا؟ الصوت النسائي الذي لم توثقه المصادر إلا بصوت التقديس المحض.
