ريم الحامدية
أحيانًا، يكفي أن تقع عيناك على وجهٍ يشبه شخصًا عرفته قبل عشرين عامًا، حتى يتوقف الزمن للحظة. ليس لأنك تعرف هذا العابر، بل لأن الذاكرة لا تخطئ الوجوه التي أحبتها يومًا، ولو من بعيد.
وفجأة… يعود كل شيء، يعود معلم الصف الأول، وحارس المدرسة الذي كان يسبق الجميع إلى البوابة، وبائع الدكان الذي كان يضع قطعة حلوى إضافية في الكيس دون أن يخبر أحدًا، وسائق الحافلة الذي حفظ أسماء الأطفال أكثر مما حفظ أسماء الشوارع، والجارة التي كانت تناديك من آخر الشارع كلما تأخرت عن العودة إلى المنزل.
أين أصبحوا الآن؟ كلٌّ مضى في حياته، ومنهم من وافته المنية، لكن الأكيد أنهم، بطريقةٍ ما، لم يغادروا أبدًا.
لطالما ظننا أن الذين صنعونا هم أهلنا، وأصدقاؤنا، ومن رافقونا طويلًا… لكن الحقيقة أن حياتنا شُيِّدت بأيدٍ كثيرة، بعضها مرّ بنا مرة واحدة، وبعضها لا نتذكر حتى اسمه، ومع ذلك ترك في أرواحنا حجرًا لا يزال يحمل هذا البناء حتى اليوم.
فالإنسان لا تصنعه العلاقات الطويلة وحدها، بل تصنعه أيضًا اللقاءات القصيرة، والكلمات العابرة، والمواقف الصغيرة التي لم يدرك أصحابها يومًا أنها كانت تؤسس جزءًا من شخصية إنسان آخر.
كم مرة قال لك أحدهم: «أحسنت»، في لحظةٍ كنت تشك فيها بنفسك، فبقيت تلك الكلمة تسندك سنوات؟ وكم مرة ابتسم لك شخصٌ غريب في يومٍ كان العالم كله يبدو ثقيلًا، فشعرت أن الحياة ليست قاسية كما ظننت؟ وكم إنسانًا قدّم لك معروفًا صغيرًا، ثم نسيه في اليوم التالي، بينما بقي محفورًا في ذاكرتك إلى اليوم؟
نحن لا نتذكر كل التفاصيل، لكننا نتذكر الشعور. نتذكر الأمان الذي منحنا إياه أحدهم، أكثر مما نتذكر لون ثوبه. ونتذكر دفء صوته، أكثر مما نتذكر ملامحه. ونتذكر كيف جعلنا نشعر بأننا مهمون، حتى وإن لم يبقَ في حياتنا إلا أيامًا معدودة.
وهذا ما يدهشني دائمًا في حقيقة الأمر، أن الإنسان قد يعيش داخل ذاكرة شخصٍ آخر، دون أن يعرف.
قد يكون معلمًا نسي أسماء طلابه منذ سنوات، بينما لا يزال أحدهم يردد إلى اليوم جملةً قالها له في طفولته. وقد يكون موظف استقبال أنهى آلاف المعاملات، لكنه لا يعلم أن لطفه في يومٍ صعب أعاد الطمأنينة إلى قلب مراجعٍ كان يحمل الدنيا فوق كتفيه. وقد تكون أمًّا كانت ترسل مع طفلتها قطعة خبزٍ إضافية لصديقتها في المدرسة، دون أن تدرك أن تلك الطفلة كبرت، وما زالت تتحدث عن كرمها كلما ذُكر الخير.
ما أعجب الأثر! يخرج منا في لحظة، ثم يعيش في شخصٍ آخر سنوات، وربما عمرًا كاملًا.
لهذا، كلما كبرت، ازددت اقتناعًا بأن الحياة ليست سلسلة من الأحداث الكبرى كما نظن، بل هي مجموعة من التفاصيل الصغيرة التي صنعتنا بهدوء. ليست الشهادات وحدها من بنتنا، بل ذلك المعلم الذي آمن بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا.
وليست المدن وحدها من شكّلت ذاكرتنا، بل البائع الذي كان يبتسم كل صباح، والعامل الذي كان يلوّح لنا كلما مررنا، والجار الذي كان يسأل عن أحوالنا دون مناسبة.
حتى الأماكن… لم نحبها لذاتها، أحببناها لأن فيها أشخاصًا جعلوها تشبه البيت. ولعل أجمل ما في الأمر كله أننا لا نعرف أبدًا أين ينتهي أثرنا.
قد تظن أنك كنت شخصًا عاديًا في حياة أحدهم، بينما كنت، دون أن تدري، سببًا في أن يرى الحياة بصورة أجمل.
ربما لهذا، لا ينبغي أن نبخل باللطف، فالكلمة الطيبة لا تعرف الطريق الذي ستسلكه بعد أن تغادر أفواهنا، والابتسامة لا تعرف في أي قلبٍ ستستقر، والرحمة لا تعرف كم عمرًا ستعيش بعد صاحبها.
هل فكرت كم شخصًا تعيش اليوم داخل ذاكرته، بينما لا يخطر ببالك أنه ما زال يتذكرك؟ وربما، في الجهة الأخرى من هذا العالم، هناك من يبتسم كلما تذكر موقفًا يجمعكما، بينما لا تعرف أنك كنت جزءًا من حكايته.
لهذا، لم أعد أؤمن أن الناس يرحلون، فبعضهم يغادر الطريق، لكنه يبقى يمشي معنا في الداخل.
يسكن نبرة أصواتنا، وطريقتنا في التعامل مع الآخرين، ويختبئ بين قراراتنا، وفي القيم التي نحملها، وفي الخير الذي ننقله من قلبٍ إلى قلب، دون أن نشعر، وكأن الله جعل القلوب أوطانًا صغيرة، يمر بها الناس، ثم يغادرون، لكن الذين مرّوا بلطف... لا يرحلون أبدًا.
