د. علي بن خصيف البلوشي**
أنعم الله على سلطنة عُمان بطبيعة متفردة جعلتها من أغنى دول المنطقة في التنوع البيئي، حيث تمتزج الجبال والسهول والأودية والسواحل والصحاري في لوحة طبيعية تعكس ثراء البيئة العُمانية. ولم يكن هذا التنوع مجرد إرث طبيعي، بل أصبح ثروة وطنية تستوجب الحماية، وهو ما حرصت عليه الدولة من خلال ترسيخ مفهوم التنمية المستدامة، باعتبار أن حماية البيئة مسؤولية وطنية وشراكة بين الدولة والمجتمع.
وتتجسد هذه الصورة بأبهى صورها في محافظة ظفار، التي تتحول خلال موسم الخريف إلى لوحة طبيعية استثنائية بفضل الأمطار الموسمية، فتغطي المسطحات الخضراء الجبال والسهول والأودية، لتصبح المحافظة مقصدًا سياحيًا عالميًا يقصده مئات الآلاف من الزوار سنويًا. ولا تقتصر أهمية هذه المسطحات على بعدها الجمالي، بل تمثل ثروة وطنية ذات قيمة بيئية وسياحية واقتصادية، الأمر الذي يفرض حمايتها من أي ممارسات تضر بها.
وانطلاقًا من هذا التوجه، أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في أكثر من مناسبة أهمية تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية، باعتبارها مسؤولية وطنية تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع، وهو ما انعكس أيضًا في مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي جعلت الاستدامة البيئية أحد محاورها الرئيسة، الأمر الذي يفرض حماية هذه الموارد من أي ممارسات تضر بها.
وترجمةً لهذا النهج، نص النظام الأساسي للدولة، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021)، على التزام الدولة بحماية البيئة والحفاظ على التوازن الطبيعي. كما جاء قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (114/2001)، ليضع إطارًا تشريعيًا متكاملًا لحماية الموارد الطبيعية، ويجرّم كل فعل من شأنه الإضرار بالبيئة أو الإخلال بمكوناتها، مع تقرير عقوبات تتفاوت بحسب جسامة المخالفة.
وفي إطار استكمال المنظومة التنظيمية على المستوى المحلي، أصدر مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار الأمر المحلي رقم (2/2016) بشأن تنظيم حركة مرور المركبات واستخدام المواقف العامة في محافظة ظفار، حيث نصت المادتان (4) و(16) منه على حظر مرور المركبات فوق المسطحات الخضراء الممتدة على سلاسل الجبال والسهول، وكذلك على رمال الشواطئ، ورتب على مخالفة هذه الأحكام توقيع غرامات مالية، وذلك حمايةً للغطاء النباتي، والمحافظة على المظهر الطبيعي للمحافظة.
وعلى المستوى المحلي، تضطلع بلدية ظفار، بالتعاون مع الجهات المختصة، بدور محوري في حماية الحدائق والمتنزهات والمسطحات الخضراء، من خلال اللوائح والقرارات البلدية التي تحظر الإضرار بالمزروعات، أو العبث بالمرافق العامة، أو قيادة المركبات فوق الأعشاب، أو إلقاء المخلفات في المواقع الطبيعية، وهي أفعال تعرض مرتكبيها للمساءلة القانونية والغرامات المقررة.
ويزداد الإقبال السياحي خلال موسم خريف ظفار، وتتكرر بعض السلوكيات السلبية، مثل قيادة المركبات فوق الأعشاب، أو اقتلاع النباتات، أو ترك المخلفات في المواقع السياحية، وهي ممارسات لا تسيء إلى المشهد الحضاري فحسب، بل قد تشكل مخالفات قانونية تستوجب المساءلة، لما يترتب عليها من إضرار بالمال العام والبيئة الطبيعية. ومن هنا، فإن الحفاظ على البيئة واجب وطني ومسؤولية مشتركة، تتطلب وعيًا من الجميع والتزامًا بالسلوكيات الإيجابية.
وخلاصة القول، إن العقوبة القانونية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية المصلحة العامة وتحقيق الردع. فعندما يجتمع الوعي مع القانون، تبقى محافظة ظفار عنوانًا للجمال الطبيعي، ونموذجًا عُمانيًا يجسد التوازن بين التنمية وحماية البيئة، ويعكس الصورة الحضارية التي تستحقها سلطنة عُمان.
**دكتوراة في القانون
