الإنسان أولاً

سالم البادي (أبومعن)


من جبال مسندم إلى جبل سمحان، لم تكن عُمان يوماً مجرد بقعة جغرافية، بل كانت مصنعاً للرجال والعقول التي بهرت العالم؛ من عبقرية الفراهيدي إلى جسارة أحمد بن ماجد. 

لكن، كيف لهذا الإرث العظيم أن يتجدد اليوم في زمنٍ أصبحت فيه الأزمات الاقتصادية والغلاء المعيشي يهددان استقرار الأسرة العُمانية؟ 

إننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة حاسمة من رؤية عُمان 2040، ومواجهتنا للحقائق تقتضي القول: 

إن المواطن الذي يعرف واجباته جلياً، يحتاج اليوم -أكثر من أي وقت مضى- إلى تهيئة البيئة التي تحفظ كرامته وتؤمن مستقبله. 

لا يمكننا ترك النشء العُماني وحيداً في مواجهة تقلبات العصر، فخيرات هذه الأرض يجب أن تنعكس أولاً على حياة الإنسان قبل أن تتحول إلى أرقام في حسابات المشاريع.

الإرث التاريخي: 
العُمانيون صناع حضارة وعقول أبهرت العالم

إن المواطن العُماني ليس مجرد عنصر بشري عابر، بل هو ثروة وطنية كبرى تختزل تاريخاً ممتداً من الأمجاد. 
لقد أثبت التاريخ عبر العصور أن العُمانيين صناع حضارة حقيقية، وأصحاب أمجاد خُلّدت ذكراها حتى يومنا هذا؛ فكان منهم الحاكم العادل، والعالم الزاهد، والطالب المجتهد، والقائد الحكيم، والطبيب البارع، والبحار الجسور.

عوائد الثروة قبل المشاريع: 

العقول هي من تبني الحجر 
انطلاقاً من هذه العبقرية العُمانية، يجب أن يرسخ المبدأ التنموي الثابت: 
أن ينعم المواطن بخيرات بلده وعوائد ثرواته كأولوية تسبق أي مشروع إسمنتي أو صناعي.

فالمشاريع الكبرى لا تقوم ولا تنجح إلا بأصحاب العقول، وهذه العقول بحاجة ماسة إلى بيئة تعليمية ومعرفية حاضنة، وتهيئة أرضية خصبة ومستقرة للنشء الجديد. 

إن توفير البيئة الآمنة والمحفزة الخالية من الضغوط المعيشية هو المفتاح السحري الذي يتيح للشباب العُماني مساحات الإبداع، الابتكار، والعمل الحقيقي، ليقودوا مسيرة البناء بكفاءة واقتدار.

بيئة التمكين ضد عواصف الأزمات
إن المعادلة الوطنية واضحة؛ فالمواطن العُماني له كامل الحقوق القانونية والمعيشية، وعليه في المقابل واجبات ومسؤوليات يمليها عليه حبه وانتماؤه لوطنه.
ولكن، في هذا العصر المتسارع المتصاعد بالأزمات الاقتصادية، وموجات الغلاء المعيشي، وفرض الضرائب، والتقلبات الجيوسياسية العالمية، تبرز حقيقة لا يمكن إغفالها.

إن لم نهيئ للمواطن البيئة المناسبة والمحفزة، فستؤثر عليه ظروف الحياة القاسية ومتقلباتها.
لذا، من الضروري والمحتم أن يكون الإنسان العُماني هو المستهدف الأول الذي يحظى بعوائد ثروات بلاده وخيرات أرضه، وأن تحميه مظلة الدولة الاقتصادية، فلا يُهمل أو يُترك وحيداً تعصف به صروف الأيام والتحديات المادية؛ بل يتم تمكينه ليكون شريكاً حقيقياً في الإنتاج والبناء، لا ضحية للمتغيرات.


إن فلسفة "الإنسان أولاً" في عُمان تثبت مجدداً أن المواطن ليس مجرد ترس في عجلة الإنتاج، بل هو الصانع الأول للتنمية والغاية النهائية لها. 

من خلال الموازنة الدقيقة بين الإصلاح الهيكلي والتمكين الاجتماعي، وحماية المواطن من التضخم والغلاء، تضمن السلطنة عودة أمجاد الرواد الأوائل بملامح عصرية؛ حيث تسير العجلات الاقتصادية جنباً إلى جنب مع صون الهوية العمانية الأصيلة، وتحقيق رفاهية مستدامة للأجيال الحاضرة والقادمة.

"دعونا نتوقف قليلاً عن لغة الأرقام الصماء، والتقارير المالية الجافة التي تملأ المنصات؛ ولنتحدث بلغة الشارع، بلغة الإنسان العُماني الذي قامت على كاهله حضارة ممتدة عبر التاريخ. 

في هذا العصر العاصف بالأزمات، وموجات الغلاء والضرائب المتصاعدة، يبرز سؤال مصيري لا يقبل التأجيل: 
ما فائدة المشاريع العملاقة إن لم يكن المواطن هو المستفيد الأول من ثروات بلاده؟ 

إن عُمان 2040 لن تُبنى بكتل الإسمنت، بل بعقول أبنائها؛ والعقول لا تبدع وهي تعصف بها صروف الأيام وتكالب الالتزامات. 

حان الوقت لندرك أن الاستثمار في رفاهية المواطن وحمايته ليس رفاهية اختيارية، بل هو الضمانة الوحيدة لبقاء هذا الوطن شامخاً كما كان دائماً."

حجر الأساس: 
معادلة البناء والاستدامة الوطنية

من هذا المنطلق، يجب النظر إلى المواطن كحجر الأساس والعمود الفقري لأي مشروع وطني يُراد له النجاح والاستمرار؛ لأن هذا الأساس المتين سيبنيه المواطن، وسينعم بخيراته المواطن، وسيجني ثماره المواطن، وهو ذاته الذي سيحافظ عليه ويحميه للأجيال القادمة.

لذا، يملي علينا الالتزام الوطني أن نجعل نصب أعيننا المواطن أولاً في كل مراحل التخطيط، والرؤى، والاستراتيجيات الكبرى والمستقبلية. 

فلا قيمة لمخطط لا يبدأ من احتياجات الفرد، ولا نجاح لاستراتيجية لا تنتهي بإسعاد الأسرة وتأمين عيشها. 

القاعدة واضحة ولا تقبل المواربة: 
الإنسان أولاً... ثم أولاً... ثم أولاً.

الأكثر قراءة

z