العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان

 

 

 

د. علي بن خصيف البلوشي **

برز مفهوم العدالة الانتقالية نتيجة الحاجة إلى إيجاد توازن دقيق بين مُتطلبات العدالة من جهة، وحاجة المجتمعات إلى الاستقرار والمصالحة من جهة أخرى؛ فهي لا تقف عند حدود النصوص القانونية والمحاكم، وإنما تتجاوز ذلك إلى الإنسان باعتباره محور العدالة وغايتها، فعندما نتحدث عن العدالة الانتقالية، فإننا نتحدَّث عن أمّ تنتظر خبرًا عن ابنها، وعن أسرة فقدت مُعيلها، وعن شخص حمل في ذاكرته سنوات من الخوف والألم، وعن مُجتمع أنهكته الصراعات والانقسامات، ومن هذا المنطلق، فإنَّ العدالة الانتقالية، في جوهرها، لا تمثل رغبة في الانتقام من الماضي، بل منظومة متكاملة تهدف إلى مُعالجة آثاره، وإعادة ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة، وصولًا إلى بناء مستقبل يقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

وحقوق الإنسان تشكل الأساس الذي تقوم عليه العدالة الانتقالية، فهي تنطلق من الاعتراف بأنَّ الضحايا لهم حقوق لا تسقط بمرور الزمن، في مقدمتها الحق في معرفة الحقيقة، والحق في جبر الضرر، والحق في الإنصاف، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ولذلك فإنَّ تجاهل الماضي أو محاولة طي صفحته دون مُعالجة قد يؤدي إلى استمرار آثارها وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

وقد اكتسبت العدالة الانتقالية أساسًا مُهمًا من منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 في المادة (1) أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، كما نصت المادة (3) على الحق في الحياة والحرية والأمان، وأكدت المادة (5) عدم جواز إخضاع أي إنسان للتعذيب أو المُعاملة القاسية أو المهينة، بينما كرست المادة (10) حق كل إنسان في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة.

وفي السياق ذاته، جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ليضع ضمانات أكثر تفصيلًا؛ فنصت المادة (6) على حماية الحق في الحياة، والمادة (7) على حظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما أكدت المادة (9) حماية الإنسان من الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، أما المادة (14) فقد أرست مجموعة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة، ومن بينها المساواة أمام القضاء، وافتراض البراءة، وحق المتهم في الدفاع، والحصول على محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة منشأة بحكم القانون، وصولاً لكشف الحقيقة.

ومن هنا فإنَّ كشف الحقيقة يمثل أحد أهم أركان العدالة الانتقالية؛ فالضحايا وأسرهم لهم حق في معرفة ما حدث، ومصير المفقودين، والجهات المسؤولة عن الانتهاكات، دون أن يتحول كشف الحقيقة إلى وسيلة للتشهير الجماعي أو الانتقام، ولذلك فإنَّ لجان الحقيقة والمصالحة، متى أنشئت وفق القانون وبضمانات الاستقلال والنزاهة، يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في توثيق الماضي ووضع الحقائق أمام المجتمع.

وفي المقابل، فإنَّ الإنسانية نفسها تفرض علينا ألا نحرم المتهم من حقوقه أثناء التحقيق والمحاكمة، فالمتهم، مهما كانت خطورة الاتهامات الموجهة إليه، يظل إنسانًا له حقوق مقررة قانونًا، وقد كرست المادة - سالفة الذكر- من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مبدأ المحاكمة العادلة، كما أكدت المادة (15) مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية، فلا يجوز إدانة شخص عن فعل لم يكن جريمة وقت ارتكابه، ولا يجوز فرض عقوبة أشد من العقوبة المقررة وقت وقوع الفعل.

ونُضيف، أن حماية حقوق الإنسان لا تنتهي بصدور الحكم، بل تستمر أثناء مرحلة تنفيذ العقوبة، حيث يجب معاملة السجناء واحترام لكرامتهم، فالحرمان من الحرية يُعد عقوبة في حد ذاته، ولا يجوز أن يتحول السجن إلى وسيلة للإهانة أو الإذلال أو الانتقام، وفي الجانب الاخر، فان حقوق الإنسان في إطار العدالة الانتقالية لا تقتصر على المتهمين أو المحكوم عليهم، بل تشمل الضحايا الذين تعرضوا للانتهاكات، إذ لهم الحق في معرفة الحقيقة، والوصول إلى العدالة، ولهذا فإنَّ العدالة الانتقالية الناجحة هي التي تحقق التوازن بين انصاف الضحايا وضمانات العدالة للمتهمين.

وفي ختام القول.. فإنَّ العدالة الانتقالية تمثل في عالم متزايد التحديات المتعلقة بالحريات العامة والحقوق السياسية، مجالًا مهمًا للتفكير القانوني والسياسي حول كيفية التعامل مع إرث الانتهاكات، وتحويل آلام الماضي إلى فرصه لبناء دولة أكثر عدلًا واحترامًا للإنسان، فهي ليست مجرد وسيلة لمعالجة آثار الماضي، بل مشروع متكامل يهدف إلى حماية حقوق الإنسان وترسيخ قيم الكرامة الإنسانية، وأخيرًا يبقى تطبيق القانون هو الضامن الأساسي لتحقيق العدالة والمساواة.

** دكتوراة في القانون

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z